ماذا لو .. أُكِلنا يوم أُكِلَ الثور الأبيض
د. عبير المصلح
12-03-2026 08:44 PM
يروي لنا التراث العربي في كتاب " كليلة ودمنة " الذي نقله إلى العربية الأديب " عبد الله بن المقفع " قصة رمزية عميقة عن ثلاثة ثيران كانت تعيش في مرعى واحد:
ثور أبيض.
وثور أسود.
وثور أحمر.
كانت قوتها في اجتماعها؛ فلم يكن الأسد قادراً على افتراس أيٍّ منها ما دامت متماسكة ومتحدة.
لكن الأسد لم يهاجمها بالقوة، بل بالحيلة. الأسد ذهب إلى الثورين الأسود والأحمر وأقنعهما بأن لون الثور الأبيض يفضحهما في المرعى، وأن التخلص منه سيجعل حياتهما أكثر أماناً. صدّقا الوهم، فتركاه فريسة للأسد.
مرّ الزمن… وعاد الأسد ليأكل الثور الأحمر، ثم لم يبقَ إلا الثور الأسود وحيداً. وعندما أدرك مصيره قال عبارته التي تحولت إلى مثل يحتذى به في الذاكرة العربية:
"أُكِلتُ يومَ أُكِلَ الثورُ الأبيض."
لم يكن يقصد أنه هلك في تلك اللحظة، بل أنه هلك منذ اللحظة التي سمح فيها بأكل رفيقه.
فالمثل يحمل معنىً عميقاً يتجاوز القصة:
-" الخطر لا يبدأ عندما يصل إليك، بل عندما تسمح له أن يصل إلى غيرك."
-والتخلي عن الآخرين ليس حياداً… بل هو الطريق الأقصر للهزيمة.
-والظلم إذا تُرك في مكان ما، لن يبقى هناك طويلاً؛ فهو بطبيعته يتمدد حتى يطال الجميع.
وفي عالم اليوم، يبدو هذا المثل أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
-فكم من مأساة اعتقد العالم أنها ستبقى محصورة في مكان واحد؟
-وكم من ظلم قوبل بالصمت الدولي، وكأن حدوده الجغرافية كافية لاحتوائه؟
-وكم من تحالف تفكك حين ظن كل طرف أن الخطر لن يصل إليه؟
لكن التاريخ يعلمنا شيئاً واحداً:
" الخطر لا يتوقف عند حدود الضحية الأولى."
فالمآسي لا تنتشر فقط بفعل القوة، بل أيضاً بفعل الصمت.
وما يبدو اليوم مأساة بعيدة، قد يصبح غداً واقعاً قريباً.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحاً أمام ضمير العالم:
ماذا لو اكتشفنا متأخرين… أننا أُكِلنا يوم أُكِلَ الثور الأبيض؟؟
ولعلّكم جميعاً تعلمون… عن أي ثورٍ أبيضٍ نتحدث اليوم.