facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




القوانين الكبيرة تحتاج حكمة أكبر


د. صالح سليم الحموري
13-03-2026 10:54 AM

في الدول المستقرة، لا تأتي القوانين الكبرى على هيئة مفاجآت، ولا تُقدَّم للناس بلغة التهديد أو التخويف. بل تُبنى بهدوء، وتُناقش بعمق، وتُشرح للمجتمع قبل أن تعبر إلى البرلمان. أمّا حين يصل القانون إلى الناس قبل أن تصل فكرته، فإن النتيجة تكاد تكون دائمًا واحدة: ضجيج، وارتباك، وتآكل في الثقة… والثقة هي أثمن ما يقوم عليه العقد بين المواطن والدولة.

هذا ما يحدث اليوم في النقاش الدائر حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي في الأردن.

فالضمان الاجتماعي ليس قانونًا عاديًا يمكن التعامل معه كأي تشريع إداري أو مالي. إنه في جوهره عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن. عقد يقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن يعمل الإنسان سنوات طويلة وهو مطمئن أن الدولة تحفظ له كرامته حين يتقدم به العمر.

لهذا السبب تحديدًا، فإن أي تعديل يمس هذا العقد يحتاج إلى أعلى درجات الحكمة والوضوح والتواصل مع المجتمع.

لكن ما شاهدناه في الأسابيع الأخيرة لم يكن نموذجًا لإدارة إصلاح وطني، بل مثالًا على التخبط المؤسسي.

الحكومة أرسلت مشروع القانون إلى مجلس النواب تحت عنوان "ضمان الاستدامة المالية للصندوق"، وهو هدف مشروع من حيث المبدأ. فمن الطبيعي أن تسعى الدول إلى حماية صناديق التقاعد من الاختلالات المالية المستقبلية. لكن المشكلة لم تكن في الفكرة بقدر ما كانت في الطريقة.

لم تسبق المشروع حوارات مجتمعية حقيقية. لم تُعرض الدراسات الاكتوارية بلغة يفهمها الناس. لم يشعر المواطن أن هذا القانون نوقش معه قبل أن يُفرض عليه. فبدل أن يبدأ النقاش بهدوء داخل المجتمع، انفجر فجأة داخل البرلمان وعلى وسائل الإعلام.

ثم جاء الدور الثاني من التخبط: إدارة الملف سياسيًا وإعلاميًا.

تصريحات متناقضة خرجت من مسؤولين مختلفين. بعضهم أكد أن التعديلات لن تؤثر على أحد، بينما تحدث آخرون عن إصلاحات جوهرية ضرورية لمستقبل الصندوق. وبين هاتين الروايتين وقف المواطن حائرًا: إن كان القانون لن يؤثر على أحد، فلماذا نعدله؟ وإن كان سيؤثر فعلًا، فلماذا لا يُقال ذلك بوضوح؟.

أما مجلس النواب، الذي يفترض أن يكون ساحة النقاش العقلاني، فقد بدا في بعض جلساته وكأنه يكتشف الملف للمرة الأولى. اعتراضات، مقاطعات، مطالبات برد القانون، وإحالات متسرعة إلى اللجان خلال ثوانٍ معدودة… مشهد يعكس غياب الإعداد المسبق أكثر مما يعكس نقاشًا تشريعيًا ناضجًا.

والنتيجة الطبيعية لكل ذلك كانت اتساع فجوة الثقة.

فالمواطن لا يرفض الإصلاح بالضرورة، لكنه يرفض أن يشعر أنه آخر من يعلم. لا يرفض النقاش حول مستقبل الضمان، لكنه يريد أن يكون شريكًا فيه لا متلقيًا لنتائجه.

في علم السياسات العامة، هناك قاعدة بسيطة تقول: إن فشل التواصل قد يحول أفضل السياسات إلى أسوأ الأزمات. لأن الناس لا تقاوم القرار بقدر ما تقاوم الشعور بأن القرار اتُّخذ دونها.

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من التصريحات، بل وقفة هادئة لإعادة إدارة الملف بطريقة مختلفة: حوار صريح مع المجتمع، شرح واضح للتحديات المالية للصندوق، وإدارة برلمانية أكثر اتزانًا للنقاش.

فالقوانين التي تمس حياة الناس لا تُدار بعجلة، ولا تُناقش تحت ضغط الضجيج.

فالضمان الاجتماعي ليس مجرد أرقام في تقارير اكتوارية تعتمد على بيانات الماضي، دون أن تُرفق بدراسات استشرافية تقرأ المستقبل وتوجهاته. إنه في جوهره علاقة ثقة بين الدولة ومواطنيها. وهذه الثقة، إن اهتزّت، لا يعيد بناءها أي تعديل قانوني، بل يعيدها فقط الصدق، والوضوح، وحسن الإدارة.

أمّا التخبط، فلا يصنع إصلاحًا… بل يفتح الباب لأزمة جديدة.

*د. صالح سليم الحموري
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :