كلُّ شَيْءٍ جَاهِزٌ لِلْحَرْب… وَصَمْتُ القَرَارِ يَفْتَحُ أَبْوَابَ التَّصْعِيد
سمير حمدان - بودابست
31-03-2026 08:17 PM
الضَّرْبَةُ المَحْدُودَةُ تَقْتَرِب… وَالانفِلَاتُ يَتَجَاوَزُ الحِسَابَات
لا تُقاس الحروب الحديثة بما يُعلن عنها، بل بما يُبنى لها قبل إعلانها، وما يجري اليوم حول إيران لم يعد تحضيرًا لحرب، بل مرحلة متقدمة منها تُدار دون إعلان شامل، حيث تتحرك المواجهة ضمن مسار متدرج يتجاوز الضربات الجوية، ليصل إلى بناء قدرة فعلية على التماس المباشر، بريًا وبحريًا إذا فُرض ذلك.
ما نشهده ليس اقتراب حرب، بل انتقال إلى مستوى أكثر خطورة، تختفي فيه الحدود بين الضربة المحدودة والانخراط المفتوح، حيث لا تُقاس الخطورة بحجم العملية، بل بمسارها بعد التنفيذ.
في هذا السياق، لم يعد النقاش داخل الولايات المتحدة محصورًا في الردع، بل بدأ يتحول نحو سيناريو تدخل بري “جراحي” يستهدف السيطرة على مواقع حساسة، وهو تحول يكشف أن التفكير انتقل من احتواء الخطر إلى محاولة التحكم به ميدانيًا.
هذا الطرح لا يتحدث عن غزو شامل، بل عن عمليات دقيقة تنفذها وحدات نخبوية، مثل عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوًا ووحدات المارينز المنتشرة على منصات بحرية متقدمة، وهو ما يعكس جاهزية للتنفيذ أكثر من كونه استعراض قوة.
الحشد الأميركي، مع دخول منصات مثل USS Tripoli وUSS Boxer، لا يشير إلى حرب شاملة، بل إلى بناء قدرة متكاملة ضمن مسرح عمليات واحد، تتيح التدخل السريع إذا فُرضت الحاجة.
بِنْيَةُ القُوَّة… لِمَاذَا هَذِهِ الوَحْدَاتُ الآن
هذه القوات مصممة لعمليات عالية الدقة، المارينز لفرض وجود سريع على السواحل، والقوات المحمولة جوًا للسيطرة على نقاط حساسة، والمجموعات البحرية لضمان الهيمنة على المسارات الحيوية، ما يعني أن الهدف ليس الاحتلال، بل القدرة على فرض واقع سريع ومؤقت.
ما يُبنى هنا ليس خطة حرب شاملة، بل قابلية الدخول في بيئة معقدة، حيث يمكن للعملية المحدودة أن تتوسع خلال أيام تحت ضغط الميدان، لا بقرار سياسي.
التَّطَوُّرُ الحَاسِم… الاِنتِقَالُ إِلَى عَتَبَةِ التَّمَاس
إدخال البعد البري، حتى بشكل محدود، يعني الانتقال من حرب تُدار عن بعد إلى احتكاك مباشر، وهو ما يغيّر طبيعة الصراع بالكامل.
وقد لخّصت كونداليزا رايس هذه القاعدة بوضوح حين أكدت أن القوة الجوية لا تكفي للحسم، وأن النتائج السياسية تُفرض على الأرض، لا من السماء.
لكن النزول إلى الأرض لا يفتح فقط باب الحسم، بل يفتح أيضًا باب الانزلاق، حيث يصبح أي احتكاك تكتيكي قابلًا للتحول إلى تصعيد أوسع خارج السيطرة.
الجُغْرَافِيَا… حِينَ تَصْطَدِمُ السُّرْعَةُ بِالوَاقِع
إيران ليست ساحة مفتوحة، بل بيئة معقدة تجعل أي تقدم بري عميق مكلفًا، لذلك يتركز التفكير على الأطراف والمفاصل الاستراتيجية لتحقيق تأثير سريع دون الغرق في الداخل.
خُطُوطُ الإِمْدَاد… الحَرْبُ الَّتِي لَا تُرَى
البحر هو العمود الفقري لهذا الصراع، ومضيق هرمز نقطة تحكم في إيقاع الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 120 دولارًا، ما يحول الحرب إلى صدمة اقتصادية عالمية.
المُفَارَقَةُ الاِسْتِرَاتِيجِيَّة
الضربة المحدودة لا تبقى محدودة، لأنها تفتح سلسلة ردود يصعب احتواؤها، ومع كل خطوة تتراجع القدرة على التحكم حتى يصبح التصعيد نتيجة لا خيارًا.
السِّينَارِيُوهَات
السيناريو الأول، عمليات محدودة تبقى تحت السيطرة.
السيناريو الثاني، توسع الاشتباك وتحوله إلى حرب استنزاف إقليمية ترتبط بأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
الهَدَفُ الحَقِيقِي
المؤشرات لا تدل على إسقاط النظام، بل على إعادة تشكيل سلوكه عبر رفع الكلفة، لكن هذا المسار لا يبقى ضمن حدوده، لأن كل خطوة تفرض التالية.
في النهاية، لا يبدو أن الهدف هو الحرب الشاملة، بل بناء القدرة على خوضها، وهذه هي النقطة الأخطر، لأن الحروب الحديثة لا تبدأ بقرار واحد، بل بمسار تدريجي يصعب إيقافه.
وإذا استمر هذا المسار، فلن يكون السؤال من بدأ الحرب، بل من فقد القدرة على إيقافها، في عالم لم تعد فيه الحروب تُنهي الصراعات، بل تعيد تشكيل النظام الدولي نفسه.