مافيا المعرفة .. السلطة الخفية التي تحكم العالم
الأستاذ عبد القادر نايف مهيار
21-04-2026 11:51 AM
حين نسمع كلمة «مافيا»، يتبادر إلى الذهن فورًا مشهد العنف والسلاح والسيطرة على الشوارع.
لكن ثمة مافيا من نوع آخر، لا تحمل أسلحة ولا تعمل في الظلام، بل تتحرك في وضح النهار، وتحيط بنا من كل مكان. تُعرف أحيانًا بـ«شركات التقنية الكبرى»، وتمتلك ما هو أخطر من أي سلاح عرفته البشرية المعرفة
من يملك المعرفة يملك القرار
الثروة الكبرى اليوم هي البيانات والمعرفة والخوارزميات. أدركت حفنة من الشركات هذه الحقيقة مبكرًا، فبنَت إمبراطوريات معرفية غير مسبوقة.
وهي اليوم تسيطر سيطرة شبه كاملة على مصادر سلسلة التوريد المعرفي، والتي تتضمن ثلاثة مستويات:
المعرفة التي نمتلكها حاليًا،
المعرفة التي نسعى لامتلاكها،
والمعرفة التي نخطط لاكتسابها مستقبلًا.
بهذا الاحتكار لسلسلة التوريد المعرفي بأكملها، أصبحت هذه الشركات قادرة على تحديد ما يُعرف، وما يُجهل، وما يُسمح بتداوله في العالم.
هي : اليوم تستحوذ ثلاثة شركات على ما يقارب 70% من سوق الحوسبة السحابية العالمي
— Amazon وMicrosoft وGoogle —
وتمتلك ثلاثة شركات من بيانات البشر ما يفوق ما تملكه معظم الحكومات عن مواطنيها وهي:
Google, Meta, Amazon
وجد نفسه يفاوض ويقايض.AI act وحين أراد الاتحاد الأوروبي وضع قانون لتنظيم الذكاء الاصطناعي
تلك الشركات الثلاثة حيث انها تمتلك الخبرة والبنية التحتية.
هذا بالضبط ما يعنيه مصطلح "مافيا المعرفة" ليس الإجرام بالمعنى القانوني، بل احتكار المعرفة وتوظيفها لتكريس التبعية وصناعة القرار.
كيف تعمل هذه السلطة الخفية؟ تعمل مافيا المعرفة عبر ثلاثة محاور متشابكة لا يكاد يراها أحد:
أولاً: احتكار البنية التحتية للمعرفة
GPT-4تدريب نموذج ذكاء اصطناعي من مستوى:
NVIDIA A100حيث يحتاج وحده الى أكثر من 20 الف معالج متخصص من نوع
بتكلفة تتجاوز 100 مليون دولار أمريكي، فالمعرفة أصبحت حكراً على من يملك هذه الموارد الهائلة، وهم قلة تعد على الأصابع.
ثانياً: السيطرة على ما يصل إليك
من الخوارزميات التي تحدد ما تراه على محرك البحث، وما يظهر في خلاصتك الإخبارية، وما يُقترح عليك قراءته، وتحدد ما يجب ان نعرفه وما لا يجب ان نعرفه، فهذه ليست أدوات محايدة. إنها قرارات تتخذها شركات بعينها حول ما تعرفه وما تجهله.
وقد أثبتت الوقائع أن هذه الخوارزميات قادرة على التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية، بل في صنع السياسات نفسها، اضف الى ذلك نتائج الانتخابات وتوجهات الشباب، بل وحتى في الولاء والانتماء العقائدي والغير عقائدي ومواقف الرأي العام على نطاق واسع.
ثالثاً: الإمساك بمستقبل الذكاء الاصطناعي
تقرير حديث يكشف أن 79% من كبرى المواقع الإخبارية الأمريكية باتت تحجب محركات الزحف الخاصة بالذكاء الاصطناعي عن محتواها.
لانها بكل بساطة لا تحتاج إلى هذه المحركات لأنها تملك أصلاً قواعد بيانات ضخمة بنتها على مدى عقود. هذا يعني أن المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي مغلقة مسبقاً لصالح من سبق إلى تكديس المعرفة.
الأخطر: حين تُصبح مافيا المعرفة أقوى من الحكومات، فالمافيا التقليدية تخشى القانون. أما مافيا المعرفة Googleتصنع القانون أو تُعيق صنعه. على سبيل المثال حين حاول الأتحاد الأوروبي ملاحقة جوجل قضائياً بتهمة احتكار البحث على الإنترنت، وجد المنظمون أن هذه الشركات باتت لاعباً أساسياً في صياغة السياسات التي يُفترض أن تنظمها، ظاهرة يسميها الباحثون "الاستحواذ التنظيمي". الأمر لم يعد مجرد سيطرة اقتصادية. إنه سيطرة على ما يُفكَّر فيه وكيف يُفكَّر ومن يملك أدوات التفكير. وهذا هو الفارق الجوهري بين أي احتكار عرفناه في التاريخ وبين ما نشهده اليوم.
فأين يقف العالم العربي من هذه المعادلة؟ وما هي مخاطر هذه المافيا؟ في خضم هذا السباق المحموم.
تقف المنظمات العربية في الغالب موقف المغلوب على أمره بمعنى انه المستهلك لا المنتج. تستخدم المنصات التي صنعها غيرها، وتعتمد على الأدوات التي طورها سواها، وتتلقى المعرفة التي صنّفها ورتّبها وقرر أولوياتها آخرون.
هذه ليست مأساة حتمية، بل هي نتيجة مباشرة لغياب الاستثمار المنهجي في إدارة المعرفة وبناء رأس المال المعرفي المحلي. المنظمة التي لا تبني قاعدتها المعرفية الخاصة، وتوثّق خبراتها، وتُطوّر كفاءاتها المعرفية ، تجد نفسها بالضرورة رهينة لمن بنى هذه القواعد.
الإنسان الذي يعرف كيف يجمع المعرفة ويحللها ويوظفها لا يمكن لأي خوارزمية أن تستعبده. والمؤسسة التي تملك رأسمالها المعرفي لا تحتاج إلى استئذان أحد في قراراتها.
في النهاية، مافيا المعرفة قوية لأن كثيرين تخلوا عن حقهم في المعرفة أو أهملوا بناءها، والتحرر منها يبدأ حيث بدأت قوتها بالمعرفة ذاتها.
التحرر المعرفي هو الخيار الوحيد في مواجهة مافيا المعرفة على أن لا تكون بالعداء لها، بل بالاستقلالية عنها. والاستقلالية تبدأ بخطوات عملية واضحة: تحديد ألية مسارات واستقطاب المعرفة وبناء قواعد بيانات معرفية مؤسسية حقيقية، وتوثيق الخبرات قبل أن تندثر برحيل أصحابها، والاستثمار في تأهيل الكفاءات البشرية القادرة على إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.
البيان في المقال المصدر / الواقع (محدث 2025-2026) ملاحظة
3 شركات (Amazon, Microsoft, Google) تسيطر على ~70% من سوق الحوسبة السحابية 63–68% حسب Synergy Research وCRN وStatista (Q4 2025) الرقم 70% مستخدم كثيرًا في المقالات الشعبية كتقريب، لكنه قريب جدًا من الواقع.
Google, Meta, Amazon تمتلك بيانات أكثر من معظم الحكومات معروف وموثق عالميًا لا يوجد رقم دقيق، لكنه إجماع عام.
تدريب GPT-4 يحتاج >20,000 معالج NVIDIA بتكلفة > $100 مليون التقديرات الرسمية ~20,000 A100 equivalent (Microsoft) التكلفة صحيحة الاتجاه (تتجاوز 100 مليون دولار)، لكن الرقم 25 ألف مبالغ فيه قليلاً.
79% من كبرى المواقع الإخبارية الأمريكية تحجب محركات الزحف الخاصة بالذكاء الاصطناعي Reuters Institute + BuzzStream + Press Gazette (2024-2026) الرقم دقيق تمامًا.
الاتحاد الأوروبي يفاوض الشركات الثلاث عند وضع AI Act اجتماعات رسمية موثقة بين المفوضية الأوروبية وGoogle, Microsoft, OpenAI, Amazon ليس "يفاوض" بالمعنى الحرفي، بل استشارات ولوبي قوي، وهو أمر معروف.