ضريبة الذكاء الاصطناعي: حين تبدأ الكلفة بعد انتهاء العمل
د. رائد عودة
21-04-2026 03:37 PM
في كثير من المؤسسات اليوم، تتشكل بصمت وظيفة جديدة لم يُعلَن عنها، ولم تُدرج في أي هيكل تنظيمي: "عامل النظافة الرقمي"، أي الموظف الذي يقضي جزءا معتبرا من وقته في تصحيح ما ينتجه الذكاء الاصطناعي.
فهناك تكلفة خفية تستنزف العائد الحقيقي من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها نادرا ما تُذكر في الاجتماعات، ولا تظهر في لوحات المؤشرات. هذه التكلفة تتمثل في الوقت الذي يُهدر في التحقق من "هلوسات" النموذج، وحذف الحشو الذي يملأ الصفحات بلا فائدة، وإعادة كتابة مخرجات تبدو متماسكة في ظاهرها، لكنها تفتقر في جوهرها إلى فهم السياق. وهذا الوقت الضائع هو ما يمكن تسميته بـ"ضريبة الذكاء الاصطناعي"، وهي ضريبة تدفعها المؤسسات يوميًا، من دون أن تدخل غالبا في أي حساب.
وتظهر هذه الضريبة في صور باتت مألوفة. فريق المبيعات يعيد كتابة خطة العميل التي صاغها الذكاء الاصطناعي لأنها لا تعكس أولوياته الفعلية. والمحلل يراجع كل رقم في الملخص قبل رفعه إلى الإدارة خشية أن يتضمن خطأ. والفريق القانوني يمضي وقتا أطول في تدقيق المسودات الآلية لأن صياغتها تبدو سليمة، فيما تنطوي على مخاطر قانونية كامنة. ومسؤولو التوظيف يحصلون على وصف وظيفي بسرعة أكبر، ثم يضطرون إلى تجريده من العموميات وإعادة بنائه بما يعبّر فعلا عن طبيعة الدور. أما قادة الاستراتيجية، فيتلقون مذكرات أنيقة الشكل، لكنها خاوية من الحجة، فيجدون أنفسهم مضطرين إلى بناء الفكرة من جديد.
وفي كل هذه الحالات، يتكرر المشهد نفسه: يوفر النموذج نصف ساعة، ثم يستهلك "التنظيف" ساعتين. وفي هذه المسافة تحديدا تتآكل قيمة كبيرة من الوعود التي صاحبت صعود الذكاء الاصطناعي.
وما يحدث في كثير من الأحيان ليس تحرير الموظفين من الأعمال الشاقة، بل نقل العبء إلى مرحلة لاحقة من العمل. فإذا كان الفريق لا يزال يصلح يدويا معظم ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، فهذا يعني أن العمل لم يُؤتمت بالصورة التي توحي بها العروض التقديمية. وبعض المؤسسات لم تفعل، في واقع الأمر، سوى أنها منحت أفضل موظفيها نسخة أقل جودة من أعمالهم السابقة.
ولماذا تغيب هذه التكلفة عن الأرقام؟ لأن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يزال يُقاس غالبا بمؤشرات النشاط: عدد الأوامر المنفذة، وعدد المخرجات المولدة، والزمن الذي جرى اختصاره في المسودة الأولى. وهذه مؤشرات سهلة القياس، لكنها تتجاوز السؤال الأهم: ماذا يحدث بعد خروج المخرج الأول؟
إذا وصلت المسودة بسرعة، لكن العمل الحقيقي بقي في التحقق والتصحيح وإعادة الصياغة، فإن الحديث عن مكاسب الكفاءة يصبح مبالغًا فيه. وهنا بالضبط تتموضع "ضريبة الذكاء الاصطناعي": في عبء المراجعة غير المرئي، وفي طبقة التقييم الإضافية، وفي جهد الخبراء اللازم لتحويل مخرج الآلة إلى مادة يمكن الوثوق بها.
فلا بد، في النهاية، من شخص يتحقق من التفاصيل، ويستعيد السياق المفقود، ويصحح المنطق، ويحذف الحشو، ويحوّل ما يبدو معقولًا إلى ما هو صالح للاستخدام فعلًا. وغالبا ما يقع هذا العبء على أصحاب الخبرة الأعلى، ما يعني أن التكلفة لا تختفي، بل يُعاد توزيعها على من يفترض أن وقتهم هو الأعلى قيمة.
وتزداد هذه التكلفة كلما ارتفعت حساسية العمل. فالملخص الداخلي الضعيف قد يكون مجرد إزعاج، لكن التوصية المعيبة للإدارة، أو مسودة الامتثال الخاطئة، أو المخرجات المضللة الموجهة للعملاء، تمثل شيئا مختلفا تماما. ففي هذه الحالات، لا تعني السرعة في البداية الكثير، إذا كانت الثقة ستُعاد صناعتها يدويا في النهاية.
كيف يمكن خفض هذه الضريبة؟ هناك خمس وسائل عملية يمكن البدء بها.
أولا، ينبغي قياس "الوقت حتى القيمة"، لا حجم المخرجات. فألف كلمة مولدة لا تعني شيئا إذا استغرق تنظيفها ساعة كاملة. والسؤال الحقيقي ليس: كم أنتج النموذج؟ بل: هل أصبح سير العمل أسرع من بدايته إلى نهايته؟ أم أن الجهد انتقل فقط من مرحلة إلى أخرى؟
ثانيا، يجب أن تكون الطلبات أكثر تحديدًا. فالطلبات الفضفاضة تنتج مخرجات فضفاضة، بينما تمنح القيود الواضحة والمدخلات الدقيقة النموذج مهمة أوضح وأفضل تنفيذا.
ثالثا، الاستثمار في السياق لا يقل أهمية عن الاستثمار في النموذج نفسه. فحتى أقوى النماذج لن تنتج قيمة حقيقية إذا لم تكن متصلة بواقع العمل وتفاصيله. وحين يغيب السياق، يتحول الفريق البشري إلى نظام تصحيح وتعويض للفجوات.
رابعا، ينبغي توظيف الذكاء الاصطناعي في المهام التي يحسن أداءها فعلا. فهو مفيد في التلخيص والاستخراج والتصنيف، لكنه أقل موثوقية حين يُطلب منه أن يحل محل الحكم البشري، أو الخبرة التخصصية، أو تحمل المسؤولية.
خامسا، لا بد من توحيد معايير المراجعة والاعتماد. فإذا كان كل مخرج يحتاج إلى إعادة كتابة كاملة، فالمؤسسة لا تملك سير عمل مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، بل تملك ببساطة "طابور مسودات". ولهذا تحتاج الفرق إلى قواعد واضحة تميز بين ما يمكن استخدامه كما هو، وما يحتاج إلى مراجعة محدودة، وما لا بد أن يمر على خبير قبل اعتماده.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج مخرجات أسرع. فهذا بات واضحًا. السؤال الأهم هو: هل يُقلل فعلا إجمالي العمل عبر الدورة كاملة؟ فإذا كانت الإجابة: لا، فإن قصة العائد على الاستثمار تبدو أقوى مما هي عليه في الواقع.
* مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية، المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا - قائم بأعمال رئيس المركز الوطني للابداع
[email protected]