بين بطء التنفيذ وغياب العقل التشغيلي
أروى الظاهر
21-04-2026 11:14 PM
التحول الرقمي، في جوهره، ليس مشروعًا تقنيًا، بل هو عملية إعادة هندسة شاملة لطريقة عمل الدولة، لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو اختزال هذا التحول في شراء أنظمة، أو إطلاق تطبيقات، دون المساس بجوهر الإجراءات. حيث تُنقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشة، دون أن تتغير، وهكذا، يصبح لدينا خدمات “رقمية” في الشكل، لكنها تقليدية في التجربة.
لكن التحدي لا يقف عند هذا الحد، فداخل الجهاز الحكومي نفسه، هناك مقاومة صامتة ليست بالضرورة معلنة أو مباشرة، لكنها حاضرة في التفاصيل. التحول الرقمي، بطبيعته، يعيد توزيع النفوذ، ويقلل من المساحات الرمادية، ويزيد من الشفافية، ويقيد الاجتهادات الفردية، وهذا ما يجعل بعض الأطراف تتعامل معه بحذر، أو حتى ببطء محسوب.
إلى جانب ذلك، تبرز فجوة المهارات كعامل إضافي، فجزء كبير من الجهاز الحكومي لم يُبنَ في بيئة رقمية، ولم يُدرَّب على التفكير بمنطق البيانات أو تجربة المستخدم، ورغم وجود برامج تدريب، إلا أنها غالبًا ما تكون نظرية، أو منفصلة عن الواقع العملي، فلا تُحدث الأثر المطلوب.
ولا يمكن إغفال عامل الحوكمة، حيث أن التحول الرقمي يتطلب قيادة واضحة ومركزية، قادرة على اتخاذ القرار وفرضه. لكن تعدد الجهات المعنية، وتداخل الصلاحيات، يخلق حالة من التشتت، حيث تعمل كل مؤسسة بمعزل عن الأخرى، دون إطار وطني متكامل يضمن التكامل والسرعة ، والأخطر من ذلك أن التأخر في هذا المجال لم يعد خيارًا يمكن تحمّله، فالعالم يتحرك بسرعة، والدول التي نجحت في هذا المسار لم تكتفِ بتحسين خدماتها، بل أعادت تشكيل اقتصادها بالكامل.
التحول الرقمي يجب أن يُدار كسياسة دولة، لا كمشروع حكومي عابر، يحتاج إلى قيادة عليا واضحة، مرتبطة مباشرة بمركز القرار، مع صلاحيات تنفيذية حقيقية، وليس مجرد دور تنسيقي.
لكن القيادة وحدها لا تكفي، فيجب أن يُترجم هذا التوجه إلى نظام أداء صارم، يُقاس بالأرقام لا بالشعارات، كم خدمة أصبحت رقمية فعلًا؟ كم معاملة أُنجزت دون تدخل بشري؟ كم انخفض زمن الخدمة؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحدد تقييم المؤسسات، لا عدد التطبيقات التي تم إطلاقها.
في المقابل، لا يمكن الحديث عن رقمنه حقيقية دون إعادة تصميم الإجراءات، القاعدة الذهبية هنا بسيطة:
لا تُرقمن الفوضى. فقبل التفكير بأي منصة أو نظام، يجب تفكيك الخدمة إلى مكوناتها الأساسية، ومراجعة كل خطوة فيها بجرأة: ما الذي يمكن إلغاؤه؟ ما الذي يمكن اختصاره؟ وما الذي لا يضيف قيمة أصلًا؟ هذه العملية إعادة هندسة الإجراءات ليست تقنية، بل إدارية بامتياز، تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، واستعدادًا لتحدي الممارسات المتوارثة. الرقمنة الناجحة لا تبدأ بالكود، بل تبدأ بإعادة تصميم رحلة المتعامل لتكون أبسط، أسرع، وأكثر وضوحًا وعندها فقط، تصبح التكنولوجيا أداة تمكين حقيقية، لا مجرد واجهة جديدة لتعقيد قديم.
التحول الرقمي لا يُقاد ببرامج تدريب عامة، بل بفرق متخصصة تمتلك عقلية مختلفة وأدوات متقدمة. لذلك، يصبح من الضروري إنشاء مسار مهني واضح داخل القطاع العام لما يمكن تسميته “النخبة الرقمية” كوادر تجمع بين الفهم الحكومي والمهارات التقنية، مثل مهندسي الخدمات الحكومية، محللي البيانات، وخبراء تجربة المستخدم. هذه النخبة لا تعمل كدعم تقني، بل كقوة تغيير تقود إعادة تصميم الخدمات وصناعة القرار المبني على البيانات. ولضمان استقطابها واستبقائها، لا بد من توفير بيئة عمل مرنة، ومسارات تطور واضحة، وحوافز مالية ومعنوية قادرة على منافسة القطاع الخاص. بدون هذا الاستثمار النوعي في رأس المال البشري، سيبقى التحول الرقمي مشروعًا ناقصًا، مهما توفرت له من تقنيات.
وفي هذا السياق، يصبح إشراك القطاع الخاص ضرورة، لا خيارًا. لكن ليس عبر التعاقد التقليدي، بل من خلال شراكات ذكية قائمة على النتائج، تتيح الاستفادة من مرونة الشركات وخبراتها، دون أن تفقد الحكومة سيطرتها على المسار.
وربما الأهم من كل ذلك هو الجرأة في اتخاذ القرار في بعض المراحل، لا يكفي تشجيع التحول الرقمي بل يجب فرضه. إن إلغاء المعاملات الورقية تدريجيًا، توحيد المنصات الحكومية، فرض الدفع الإلكتروني، هذه خطوات قد تكون صعبة في البداية، لكنها ضرورية لكسر حالة التردد.
في النهاية، التحول الرقمي ليس اختبارًا للتكنولوجيا، بل اختبار للإرادة. هو قرار سيادي بامتياز، يحدد شكل الدولة في المستقبل. إما أن تكون دولة تُدار بالبيانات والكفاءة، أو دولة تُثقلها الإجراءات وتُرهقها التفاصيل.
الأردن يمتلك كل المقومات للنجاح في هذا المسار، لكن النجاح لن يتحقق بإضافة طبقة رقمية فوق الواقع القائم، بل بإعادة بناء هذا الواقع من الأساس.