هل يصبح تعيين غير الأكفاء خيانة مقنّعة للوطن؟
أ. د. هاني الضمور
22-04-2026 01:40 AM
لم تعد أزمة المؤسسات في كثير من الدول تُختزل في نقص الموارد أو غياب الخطط، بل باتت في جوهرها أزمة قرار. القرار الذي يُفترض أن يكون أداة بناء وتطوير، أصبح في حالات كثيرة وسيلة لهدمٍ بطيء لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يُلمس في النتائج اليومية المتراجعة. أخطر مظاهر هذا الانحراف يتمثل في تعيين غير الأكفاء في مواقع المسؤولية، وإقصاء أصحاب الخبرة والقدرة، في مشهد لا يمكن اعتباره مجرد خطأ عابر، بل خللًا بنيويًا يضرب أساس الدولة الحديثة.
تعيين غير المؤهلين ليس تصرفًا فرديًا معزولًا، بل نمط يتكرر حين تغيب المعايير وتُستبدل بمنطق الولاء الضيق أو المصالح الآنية. في هذه البيئة، لا يعود المنصب تكليفًا قائمًا على الجدارة، بل يتحول إلى مكافأة أو أداة لضبط التوازنات. النتيجة الحتمية لذلك ليست فقط ضعف الأداء، بل تشويه وظيفة المؤسسة نفسها، حيث تفقد قدرتها على اتخاذ القرار السليم، وتتحول إلى كيان مرتبك يُدار بردود الفعل بدلًا من التخطيط.
هذا الخلل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتراكم تدريجيًا. يبدأ بقرار تعيين خاطئ، ثم يتبعه آخر، حتى تتشكل طبقة إدارية كاملة تفتقر إلى الكفاءة، لكنها متماسكة بحكم المصالح المشتركة. في هذه الحالة، لا يصبح الفشل استثناءً، بل قاعدة. المشاريع تتعثر، الخدمات تتراجع، والأخطاء تتكرر دون محاسبة حقيقية. الأخطر أن هذه المنظومة تميل إلى حماية نفسها، فغير الكفء لا يستدعي كفاءة تهدد موقعه، بل يبحث عمن يشبهه، وبذلك تتسع دائرة الضعف وتُقصى الكفاءات بشكل ممنهج.
الضرر لا يقف عند حدود المؤسسة، بل يمتد إلى المجتمع ككل. حين يرى المواطن أن المناصب لا تُمنح على أساس الاستحقاق، تتآكل ثقته بالدولة وبفكرة العدالة نفسها. وحين يدرك أصحاب الكفاءة أن جهودهم لن تُقدَّر، تبدأ الهجرة الصامتة، إما بالانسحاب من الشأن العام أو بالبحث عن فرص خارجية. هذه الخسارة لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بتراجع القدرة الوطنية على الإبداع والتجديد.
الأكثر إشكالية هو الخطاب الذي يرافق هذا الواقع، حيث تُقدَّم التعيينات غير المدروسة على أنها ضرورة أو خيار مرحلي، وتُبرَّر بعبارات مثل “الثقة” أو “الانسجام”. هذه اللغة لا تُخفي المشكلة، بل تُعيد إنتاجها، لأنها تشرعن استبدال المصلحة العامة باعتبارات ضيقة. فالثقة الحقيقية تُبنى على الكفاءة، والانسجام لا يكون على حساب الأداء، بل نتيجة له.
من منظور استراتيجي، لا يمكن لأي دولة أن تحقق استقرارًا أو تنمية مستدامة في ظل إدارة ضعيفة. الموارد مهما كانت كبيرة، تُهدر إذا لم تُحسن إدارتها، والفرص تضيع حين لا تجد من يستثمرها بكفاءة. الدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية لم تعتمد على الحظ، بل على منظومات واضحة تضع الجدارة في صلب القرار، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمنح الفرصة لمن يثبت قدرته لا لمن يضمن ولاءه.
إن مواجهة هذا الخلل تبدأ بالاعتراف به، لا بتجميله أو إنكاره. الإصلاح الحقيقي يقتضي إعادة تعريف معايير الاختيار، ووضع آليات شفافة للتعيين والترقية، تضمن تكافؤ الفرص وتُخضع الجميع لمقياس واحد هو الأداء. كما يتطلب الأمر إرادة سياسية وإدارية تقطع مع ثقافة المجاملة، وتؤسس لمرحلة تُقدَّم فيها الكفاءة بوصفها قيمة عليا لا خيارًا ثانويًا.
في النهاية، خيانة الوطن لا تكون دائمًا في صورها الصاخبة، بل قد تأتي في هيئة قرارات تبدو عادية لكنها تحمل في طياتها آثارًا مدمرة. تعيين غير الأكفاء ليس مجرد خطأ إداري، بل مسار يقود إلى إضعاف الدولة من الداخل. وحين يُدار الوطن بغير أهله، فإن الخسارة لا تكون آنية فحسب، بل تمتد إلى المستقبل، حيث تُدفع كلفة التراكمات الخاطئة من استقرار المجتمع وفرص أجياله القادمة.