facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




استعمار بلا أعلام .. وهيمنة بلا إعلان


د. بركات النمر العبادي
22-04-2026 11:30 AM

في ظلال القوة وانسحاب قوة القانون ، يتشكّل عالمٍ بلا يقين :

لم يعد النظام الدولي ذلك البناء الصلب الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية ، ولا هو انهار بالكامل ، إننا نعيش لحظة انتقالية دقيقة ، حيث تتآكل شرعية المؤسسات الدولية تدريجيًا ، ليس لأنها فقدت أهميتها ، بل لأنها باتت عاجزة عن فرض قواعدها في عالمٍ تتزايد فيه مراكز القوة ، فالقانون الدولي ، في جوهره ، لم يكن يومًا مستقلًا عن إرادة القوى الكبرى ، بل كان انعكاسًا لتوازناتها ؛ وحين يختل هذا التوازن ، يهتز معه معنى العدالة الدولية نفسها ، و تبدأ مرحلة جديدة ترسم ملامح فكرة “الاستعمار الجديد”، التي لم تعد جيوشًا تحتل الأرض ، بل شبكات تتحكم في القرار : ديون تُقيّد ، وتقنيات تُوجّه ، ونفوذ يتسلل بهدوء ، إنه استعمار بلا أعلام ، وهيمنة بلا إعلان .

في هذا السياق ، تعود الدول الأقطاب لتلعب دورًا أكثر صراحة وجرأة ، لكنها لا تفعل ذلك بأساليب الماضي ذاتها ، فلا الحروب الشاملة خيار عقلاني في ظل الردع النووي ، ولا الاحتلال المباشر ضرورة في عصر العولمة ، و بدلًا من ذلك ، نشهد تحوّلًا في طبيعة القوة ذاتها : من قوة صلبة تعتمد على الجيوش ، إلى قوة مركّبة تمزج بين الاقتصاد والتكنولوجيا والتأثير الثقافي ، فالردع اليوم لا يتحقق فقط عبر السلاح ، بل عبر القدرة على خنق اقتصاد الخصم ، أو عزله تكنولوجيًا ، أو حتى إعادة تشكيل وعيه.

أما ما يُسمّى “الاستعمار الجديد”، فهو ليس عودة للماضي بقدر ما هو تحوّل في أدوات الهيمنة ، لم تعد السيطرة تُمارس عبر احتلال الأرض ، بل عبر التحكم في البنى التحتية الحيوية ، وسلاسل الإمداد ، والتدفقات المالية ، وحتى الفضاء الرقمي ، إنه شكل من السيطرة غير المرئية ، حيث قد تبدو الدول مستقلة في ظاهرها ، لكنها مقيدة في خياراتها الاستراتيجية ، وهنا تكمن المفارقة : كلما ازداد العالم ترابطًا ، ازداد احتمال الخضوع غير المباشر.

ومع ذلك ، فإن الحديث عن “فوضى عالمية” قد يكون تبسيطًا مفرطًا ، فالعالم لا ينزلق إلى الفوضى بقدر ما يعيد تشكيل قواعده ، نحن أمام نظام أقل استقرارًا ، نعم ، لكنه ليس بلا قواعد ؛ بل هو نظام تتعدد فيه القواعد بتعدد القوى ، وتُفسَّر فيه الشرعية بمرونة أكبر ، قد تغيب القواعد الموحدة ، لكن تحل محلها توازنات دقيقة ، أشبه برقصة معقدة بين قوى تحاول تجنب السقوط في هاوية الصدام المباشر.

في هذا العالم، تصبح المناطق الحيوية—ومنها العالم العربي—مسارح للتنافس بقدر ما هي فرص لإعادة التموضع ، فالموقع الجغرافي ، والموارد ، والقدرة على المناورة السياسية ، كلها عوامل قد تحول بعض الدول من مجرد متلقٍ للتأثير إلى فاعلٍ فيه ، لكن هذا يتطلب وعيًا استراتيجيًا عميقًا : كيف تستفيد من التنافس دون أن تتحول إلى أداة فيه ؟ وكيف تحافظ على استقلال قرارك في عالمٍ تُمارس فيه الضغوط بطرق غير مباشرة ؟

في النهاية، لا يبدو أن العالم مقبل على انهيار شامل ، ولا على استقرار مريح ، بل نحن أمام مرحلة يمكن تسميتها “سيولة تاريخية”، حيث تتغير المعايير، وتُعاد صياغة مفاهيم مثل السيادة ، والشرعية ، والقوة ، وفي مثل هذه اللحظات ، لا يكون الخطر الأكبر هو الصراع نفسه ، بل سوء فهم طبيعته ، فالعالم الجديد لا يُدار بمنطق الماضي ، ومن يحاول قراءته بأدوات قديمة ، قد يجد نفسه خارج معادلاته ، و المستقبل لن يُحسم لصالح القوة وحدها ولا القانون وحده ، بل لمن يستطيع التوفيق بينهما، فالعالم الجديد لا يُبنى على أنقاض القديم فقط ، بل على إعادة تعريفه

حمى الله الاردن من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :