facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"كردستان" وصدى الحقيقة العابر للقرون


أمل محي الدين الكردي
22-04-2026 11:33 AM

تعد الصحافة الكردية أكثر من مجرد وسيلة لنقل الأنباء أو مراقبة الأحداث؛ فهي تمثل "الذاكرة الحية" للهوية القومية، والوعاء الذي حفظ تاريخاً عريقاً من التهميش إلى التدوين. لقد نشأت الصحافة الكردية كحاجة ملحة لكسر جدار الصمت، حيث لم تكن يوماً ترفاً فكرياً، بل كانت نضالاً عبر الكلمة والموقف، ووسيلة لتوثيق الأدب واللغة في وجه محاولات الطمس. إنها قصة تحول من "الرواية الشفهية" المتوارثة إلى "الكلمة المكتوبة" الموثقة، والجسر الذي ربط بين تطلعات الإنسان الكردي في الوطن والشتات.

في 22 نيسان من عام 1898، خطَّ الأمير "مقداد مدحت بدرخان" السطر الأول في تاريخ الصحافة الكردية، حين أصدر من القاهرة العدد الأول من جريدة "كردستان". لم تكن هذه المبادرة وليدة صدفة، بل كانت عملاً وطنياً خالصاً تبناه الأمير على نفقته الخاصة، وبمساعدة شقيقيه عبد الرحمن وعبد الرزاق، إلى جانب نخبة من الطلبة الكرد في القاهرة وإسطنبول ودمشق. لقد حملت الجريدة على عاتقها هموماً تنويرية، داعيةً أبناء جلدتها إلى التسلح بالعلم، ونبذ الجهل، وتوثيق الأدب القومي، مع التأكيد على ضرورة التعايش السلمي ونبذ الظلم.

واجهت الجريدة منذ انطلاقتها عوائق جمّة فرضتها السلطات العثمانية، مما أجبر إدارتها على نقل مقر الإصدار عدة مرات: من القاهرة إلى جنيف، ثم بريطانيا، والعودة مجدداً إلى القاهرة. ورغم الملاحقات والمصاعب المالية، استمرت الجريدة في أداء رسالتها، ووصلت أعدادها إلى 31 عدداً حتى توقفها في عام 1902. اعتمدت "كردستان" في محتواها على اللهجة الكرمانجية باعتبارها الأكثر انتشاراً، مع مساحات مقدرة للهجة الصورانية واللغة التركية، مما جعلها منبراً جامعاً يعكس تطلعات الكرد في مختلف المناطق، بدءاً من دمشق التي كانت مركزاً مهماً للتوزيع، وصولاً إلى عموم أرجاء كردستان.

لم تكتفِ الجريدة بنقل الأخبار، بل أصبحت وعاءً للأدب والفكر؛ حيث خصصت صفحاتها لنشر ملاحم أدبية مثل "مم وزين" لأحمد خاني، وقصائد وطنية، كما عملت على توثيق الأحداث التاريخية والاجتماعية للفلاحين، وأفردت مساحة لقضية الأرمن، مؤكدة على وحدة المصير والنضال المشترك.

وفي عصرنا الرقمي الحالي، تكتسب مسألة "التوثيق الرقمي" أهمية قصوى؛ فالحفاظ على أعداد جريدة "كردستان" وأرشفتها إلكترونياً ليس مجرد إجراء تقني، بل هو حماية لذاكرة أمة من الاندثار. إن التحول نحو الرقمنة يتيح للباحثين اليوم –وخاصة المهتمين بالتاريخ الثقافي– الوصول إلى هذا الإرث الغني، وتحليله، وإعادة قراءته بعيداً عن قيود الجغرافيا والزمن. إننا اليوم مدعوون للاستفادة من هذه الوثائق التاريخية لربط الأجيال الجديدة بجذورها، وجعل "كردستان" مرجعاً حياً في دراساتنا المعاصرة، مؤكدين بذلك أن التكنولوجيا، حين تُسخر لخدمة التاريخ، تصبح أداةً فعالة لحفظ الهوية وضمان استمراريتها في ذاكرة الأجيال القادمة.

إن تخصيص 22 نيسان "عيداً للصحافة الكردية" ليس مجرد احتفاء بجريدة ورقية، بل هو تكريم لذكرى الأمير مقداد مدحت بدرخان، وتقديرٌ للجهد التنويري الذي وضع حجر الأساس للهوية الصحفية الكردية. لقد بقيت "كردستان" وغيرها من المنابر التاريخية مناراتٍ تضيء درب الأجيال القادمة.

في ختام هذه القراءة، ندرك أن "كردستان" لم تكن مجرد صحيفة انتهت بانتهاء أعدادها، بل كانت بذرة أثمرت وعياً قومياً لا يزال يتنامى عبر الأجيال. إن الاحتفاء بهذه الذكرى هو تجديد للعهد مع أولئك الرواد الذين آمنوا بأن الكلمة هي أقوى الأسلحة. واليوم، بينما نستحضر تلك المسيرة، نجد أن جوهر المهمة يظل ثابتاً: الدفاع عن الحق، وتوثيق الحقيقة. إن الصحافة الكردية المعاصرة تقف بشموخ على أكتاف عمالقة مثل الأمير مقداد مدحت بدرخان، مما يلقي على عاتقنا مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث النبيل.

تحية إجلال لكل قلمٍ حر، ولكل صحفي أخذ على عاتقه حمل شعلة الحقيقة رغم الصعاب، لتظل حيّة وخالدة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :