الأردن مدرسة الاعتدال السياسي
محمد نمر العوايشة
26-04-2026 09:48 AM
منذ انطلاقة الثورة العربية الكبرى، لم تكن الدولة الأردنية مجرّد كيان سياسي تشكّل على هامش التاريخ، بل مشروعًا واعيًا بُني على فكرة النهضة العربية والاستقلال والكرامة، فمن رحم تلك الثورة، التي قادها الشريف الحسين بن علي، تشكّل نهج سياسي أردني يقوم على التوازن بين الحلم والواقعية، بين الثبات والمرونة، وبين المبادئ والمصالح الوطنية العليا.
لقد حمل الأردن، منذ تأسيس إمارة شرق الأردن على يد الملك عبدالله الأول بن الحسين، إرثًا سياسيًا فريدًا يقوم على فهم عميق لتعقيدات المنطقة، فلم يكن القرار الأردني يومًا انفعاليًا أو خاضعًا للمزايدات، بل ظلّ محكومًا بحسابات دقيقة، تُقدّم مصلحة الدولة دون التفريط بالثوابت القومية.
وعبر مسيرته التاريخية، أثبت الأردن أنه مدرسة في الاعتدال السياسي، حيث استطاع أن يحافظ على استقراره في منطقة تُعدّ من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، هذا الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة حنكة قياداته، بدءًا من الملك طلال بن عبدالله، مرورًا بعهد الملك الحسين بن طلال الذي رسّخ مفهوم الدولة العميقة المتوازنة، وصولًا إلى عهد الملك عبدالله الثاني بن الحسين، الذي يقود الأردن اليوم بثبات في ظل تحديات إقليمية ودولية غير مسبوقة.
لقد تعلّم الأردن، عبر عقود، أن البقاء في قلب العاصفة يتطلب عقلًا باردًا ورؤية بعيدة المدى، ففي خضم الصراعات العربية، لم ينجرّ إلى سياسات المحاور الضيقة، بل حافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، ما جعله وسيطًا موثوقًا وصوتًا عقلانيًا يحظى بالاحترام الدولي، وهذا ما انعكس في علاقاته المتينة مع القوى الكبرى، دون أن يكون ذلك على حساب مواقفه القومية.
أما على الصعيد العربي، فقد ظلّ الأردن وفيًا لقضاياه المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لم تكن مواقف الأردن يومًا شعاراتية، بل عملية وفاعلة، انطلاقًا من دوره التاريخي في القدس، ورعايته للمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، وهو دور متجذر في الشرعية التاريخية والدينية للهاشميين.
ومن أبرز ما يميز السياسة الأردنية هو قدرتها على الجمع بين الصلابة والمرونة، فهي صلبة في مبادئها، لا تساوم على أمنها واستقرارها، ومرنة في أدواتها، تجيد التكيّف مع المتغيرات دون أن تفقد بوصلتها، هذه المعادلة الدقيقة جعلت من الأردن نموذجًا للدولة التي تعرف كيف تدير الأزمات بدل أن تنجرف معها.
كما أن الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الأردنية يتمثل في أن الاعتدال ليس ضعفًا، بل قوة استراتيجية، ففي عالم تمزقه الاستقطابات الحادة، برز الأردن كصوت توازن، يدعو للحوار، ويؤمن بأن الحلول السياسية هي السبيل الأنجع لتجاوز الأزمات.
إن قراءة المشهد الأردني عبر تاريخه تكشف أن ما يملكه الأردن ليس فقط موقعًا جغرافيًا حساسًا، بل موقعًا سياسيًا متقدمًا قائمًا على الثقة الدولية، والمصداقية، والقدرة على لعب أدوار تتجاوز حجمه الجغرافي، وهذه المكانة لم تأتِ إلا نتيجة تراكم طويل من الحكمة السياسية والانضباط في اتخاذ القرار.
وفي المحصلة، يمكن القول إن السياسة الأردنية، منذ الثورة العربية الكبرى وحتى اليوم، لم تكن مجرد رد فعل على الأحداث، بل كانت دائمًا فعلًا استباقيًا قائمًا على الوعي، والتجربة، والإيمان العميق بأن الدولة التي تعرف نفسها جيدًا، قادرة على أن تفرض احترامها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء العقلاء.