الاعلام في عصر التأثير الرقمي وصانعي المحتوى والذكاء الاصطناعي
محمد عودة
17-05-2026 12:18 AM
لم تعد صورة الدول تبنى فقط عبر نشرات الاخبار او الحملات الاعلانية التقليدية مع اهميتها البالغة ، ولكنها اصبحت ايضا تصنع يوميا عبر شاشة هاتف يحملها مؤثر او صانع محتوى قادر على الوصول الى ملايين الناس خلال دقائق. نحن اليوم امام مرحلة جديدة يتغير فيها مفهوم الاعلام والتسويق والسياحة بصورة غير مسبوقة، تقودها منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي واقتصاد التأثير الرقمي.
ورغم انني لست متخصصا في الاعلام او السياحة، الا ان تجربتي العملية السابقة في مجلس ادارة الشركة الوطنية للتنمية السياحية، ومجلس ادارة الراي الى جانب شغفي بالسفر والطبيعة ، جعلتني اقترب من هذا الملف بصورة مختلفة. فقد اتيحت لي فرصة زيارة اغلب المناطق في الاردن من عجلون ووادي موسى الى السلط والكرك ومادبا واربد وغيرهم الكثير ، واكتشفت مع الوقت ان الاردن لا يعاني من نقص في المقومات السياحية، بل من ضعف في ايصال قصته الى العالم.
وخلال فترة عملي في دولة قطر، لاحظت ان السفر بالنسبة لكثير من الناس هناك ليس نشاطا موسميا، بل اسلوب حياة مستمر على مدار العام. وفي احدى النقاشات حول الوجهات السياحية العالمية، طرح الحديث عن لندن وسويسرا وعدد من الدول الاوروبية، فبادرت بالحديث عن الاردن وما يمتلكه من تنوع طبيعي وتاريخي وديني ومناخ معتدل، خاصة في فصلي الربيع والصيف.
لكن ما اثار انتباهي ان كثيرين لم تكن لديهم معرفة حقيقية بالاردن كوجهة سياحية، رغم ما يمتلكه من مقومات استثنائية. حينها ادركت ان المشكلة ليست في الاردن نفسه، بل في ادوات الترويج التي لم تعد تواكب الطريقة التي يتخذ بها الناس قراراتهم اليوم.
من الاعلام التقليدي الى اقتصاد التأثير
السياحة العالمية تغيرت جذريا. فالسائح اليوم لا يعتمد فقط على الاعلانات الرسمية او الكتيبات السياحية، بل يتخذ قراره بناء على مقطع قصير يشاهده عبر انستغرام او تيك توك او يوتيوب او منصة X.
الناس اصبحت تبحث عن التجربة الحقيقية:
عن صورة صادقة، وتفاصيل يومية بسيطة، ومحتوى يشعر المشاهد وكأنه يعيش المكان قبل ان يزوره.
ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد التأثير الرقمي”، حيث اصبح المؤثر وصانع المحتوى جزءا اساسيا من صناعة الصورة السياحية للدول.
لكن التأثير الرقمي، كغيره من الادوات، يبقى سلاحا ذو حدين. فكما يستطيع المؤثر المحترف ان يضع موقعا سياحيا على الخريطة العالمية، يمكن للمحتوى السطحي او المبالغ فيه ان يصنع صورة مضللة او يحول المكان الى “ترند مؤقت” دون اثر مستدام.
ولهذا فان النجاح الحقيقي لا يكمن في الصراع بين الاعلام الرسمي والمؤثرين، بل في التكامل بينهما:
فالاعلام الرسمي يوفر المعلومة الموثوقة والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
بينما يوفر المؤثر الانتشار السريع والتفاعل والوصول المباشر الى الجمهور بلغة عصرية.
لدينا في الاردن امثلة واضحة على قوة صانعي المحتوى .
فـ “وادي النمل”، الموجود منذ الاف السنين، لم يكن معروفا لدى شريحة واسعة من الاردنيين والعرب، حتى قام احد صناع المحتوى السعوديين بتقديمه باسلوب بصري جذاب، لينتشر المكان بشكل واسع ويشهد اقبالا غير عادي من الاردنيين على ذلك المكان.
هذه الحادثة تؤكد ان صناعة الصورة اليوم لم تعد حكرا على المؤسسات الاعلامية التقليدية، بل اصبحت مرتبطة بقدرة صانع المحتوى على تحويل المشاهدة الى رغبة حقيقية بالزيارة والتجربة.
الذكاء الاصطناعي… المرحلة القادمة
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فان المشهد الاعلامي مقبل على تحولات اعمق. فالمحتوى الرقمي لم يعد يعتمد فقط على التصوير والنشر، بل اصبح قائما على تحليل البيانات، وفهم اهتمامات الجمهور، وصناعة محتوى مخصص لكل فئة حول العالم.
وفي المقابل، يفرض الذكاء الاصطناعي تحديات حقيقية تتعلق بالمصداقية، خاصة مع القدرة المتزايدة على انتاج صور ومقاطع شديدة الواقعية قد تخلط بين الحقيقة والتزييف.
لذلك فان الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية لم يعد ترفا، بل جزءا من القدرة التنافسية للدول في مجالات الاعلام والسياحة والاقتصاد.
السياحة… رواية وطن
السياحة اليوم لم تعد مجرد صورة جميلة او اعلان دعائي، بل اصبحت رواية متكاملة عن وطن:
عن انسانه، وكرمه، وطعامه، وطبيعته، وتاريخه، وتفاصيل الحياة اليومية فيه.
وعندما تروى هذه القصة بصدق، وبادوات حديثة، وبمحتوى انساني ذكي، فانها تصل الى العالم بصورة اعمق واكثر تأثيرا من اي حملة تقليدية مهما بلغت تكلفتها.
الخلاصة
ان الاستثمار في الاعلام الرقمي، وصناع المحتوى المحترفين، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد خيارا ثانويا، بل ضرورة استراتيجية تنعكس مباشرة على الاقتصاد وفرص العمل والتنمية في مختلف المحافظات.
وهذا لا يعني ابدا الاستغناء عن الاعلام الرسمي، بل اعادة تعريف العلاقة بينه وبين ادوات التأثير الحديثة ضمن رؤية متكاملة تخدم صورة الاردن ومستقبله.
فالسباق اليوم لم يعد فقط على من يملك المقومات الافضل، بل على من يستطيع ان يروي قصته للعالم بطريقة اكثر اقناعا وتأثيرا.
وما جرى من تحولات متسارعة على الصحف الورقية خير مثال على ان العالم دخل فعليا مرحلة جديدة تغيرت فيها ادوات التاثير وصناعة الراي العام.