facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





غدير .. وحاوية الأحلام .. !


إيمان العكور
21-11-2014 04:30 PM

كنت مسرعة عائدة من اجتماع عمل في البحر الميت لالحق اجتماعا آخر في الدوار الثالث.. ولحسن الحظ سلكت طريقا قلما ارتادها في مثل ذلك المشوار. . فقط لالمحها على قارعة الطريق بجانب حاوية للقمامة... تجاوزتها وما لبثت أن عدت فوجهها الملون برائحة الحزن كان أكثر أهمية من أي اجتماع..
أوقفت السيارة قريبا ونزلت لاتكلم مع الأم الشابة التي كانت ورغم حرارة الجو ظهر ذلك اليوم، ترتدي معطفا شتويا ثقيلا كوزن الهموم التي تحملها.. تركت بسرعة عملية تفتيش الحاوية الجديدة اللماعة، التي يبدو أن الأمانة توزعها بناء على المكانة الاجتماعية لسكان المنطقة.. فما بالكم ونحن في عبدون لا بد وان تتناسب حاوية القمامة مع نوعية وكمية الطعام الذي تحتويه والذي عندما استرقت النظر اليه اثناء حديثي مع الام تفاجأت من كمية الطعام الذي يفوق أضعاف ما يمكن ان تحلم به الكثير من الأسر الفقيرة التي قذفت بها ظروف الحياة المختلفة الى قارعة الزمن بانتظار فسحة أمل تعيد لها بسمة تاهت وسط اللهث وراء لقمة العيش.

بصراحة ما شدّني للحديث مع الأم هو تلك العيون الجميلة لغدير ذات الثلاث سنوات.. التي اختبأت خلف أمها وهي لا تدرك بعد لماذا عليها ان تجوب الشوارع مع والدتها وأخيها محمد ذي السنوات الخمس.. تحت أشعة الشمس الحارقة وايضاً برودة الطقس في ايام اخرى وهي حافية القدمين لتنبش حاوية القمامة علها تجد بعضاً من أحلامها، طبعا اذا كانت تملك رفاهية الحلم التي يستكثرها البعض عليها..!

انتفضت الأم عندما التقطت بعض الصور لوجه غدير، واحتضنتها وأخاها لتبعدهما عن كاميرا الهاتف الذي احمله.. قدرت لحظتها خوفها وحاولت ان اطمئنها باني اريد المساعدة فقط.. ولكنها رفضت وانا تفهمت خوفها لدرجة انني داعبتها لحظتها وخاصة عندما تمعنت في وجهها القاتم الذي يميل الى السواد ربما من كثرة الهموم التي تجوب بها طرقات المدينة وتغوص في حاوياتها، قلت لها هل فعلا هؤلاء أطفالك..! قالت : طبعا أولادي..! سألتها ولكنك سمراء اللون وغدير شقراء وعيونها ملونة.. فأجابت بسرعة وابتسامة ترسم على وجهها : لان زوجي أشقر..!
قالت انها تأتي الى تلك المنطقة اي عبدون كل يوم خميس وهي تجر عربة حديدية وتحمل معها غدير ومحمد بحثا عن بقايا اي شيء..! قلت لها الا تخافين من الأمراض باطعامك أطفالك من طعام الحاوية..!
قالت: انظري معظم الطعام هنا لا يزال جديدا لم يلمسه احد.. الناس هنا ترمي ما يكفينا من الطعام لأسابيع..! وللأسف كان كلامها صحيحا..
كانت عيون غدير التائهة تتابع حديثنا في حين كان محمد يقفز حولنا وغصة ما مخنوقة داخله دون ان يدري سببها .!
طلبت منها ان تنتظر قليلا ريثما أعود اليها.. وأسرعت ابحث عن سوبرماركت قريب لأقدم لهم ما قد يغنيهم عن مشوار نبش الحاويات لهذا اليوم.. ورغم بساطة الأغراض التي اخترتها الا انها كانت كافية في ادخال الفرحة على وجه غدير الذي بالرغم من الأوساخ التي غطته الا انه كان يشع جمالا يضاهي جمال ملكات الجمال المصطنع... فوجه غدير ملائكي بالفطرة بانتظار فرصة لاكتشاف أحلامه..

رغم انني لم اسمع صوت غدير الا انني قرأت في عيونها الجميلة رسالة عتب على مجتمع وزمن نسى او تناسى وجودها وحقها بالطفولة.. سمعتها تصرخ ومن غير ان تتكلم لتقول لكم:

"أنا طفلة أشبه الكثير من اطفالكم.. ولكني لا اعرف معنى كلمة الطفولة..؟
كل ما اعرفه هو رحلتي اليومية مع امي وأخي بحثا عن لقمة او لعبة او ملابس جديدة غير هذه التي ارتديها..والتي ترمون بعضها في حاوية أحلامي..!
نعم عندي الكثير من الأحلام، بيت نظيف وفراش دافئ..
احلم برحلة مع ابي وأمي الى احد محلات الألعاب التي يمل منها اطفالكم من كثرة الذهاب اليها..!
بلقمة شهية غير مغموسة برائحة القمامة..!
ترى هل انا طفلة القمامة..! وهل خرجتُ من رحم القمامة ؟ وهل سأبقى أعيش لاهثة خلف حاوية القمامة..!
لا لا اريد ذلك.. ساعدوني..!
فرائحة القمامة لا تعجبني.. بل هي تخنقني..!
رائحة رغيف الخبز الساخن التي اشتمها اثناء مرورنا من امام المخبز تخترقني ويطرب لها نبضي للحظات ما تلبث ان تتلاشى كبقية أحلامي.. تلك الرائحة ألذ بكثير من رائحة الخبز الذي تعود به امي من الحاوية..!
ترى هل سيأتي ذلك اليوم الذي سأستمتع فيه كاطفالكم بفستان جديد.. ولقمة ساخنة نظيفة.. لا اشتم فيها رائحة القمامة..؟؟؟

ما المني تلك اللحظات انه ورغم توقفي لأكثر من ربع ساعة قرب حاوية القمامة مع الام وطفليها وعلى الشارع العام الذي أحاطت به الفلل الفارهة من كلا الجانبين.. لم يتكبد اي من سائقي تلك السيارات او سكان الفلل عناء التوقف او الخروج ولو للحظة واحدة لتقديم اي مساعدة كانت لهؤلاء الاطفال بغض النظر عن موقفهم من ظاهرة التسول او اطفال الشوارع وغيرها..

شعرت وللأسف بان مثل ذلك المشهد رغم قساوته اصبح يشكل لوحة عادية تؤثث المنظر العام للمدينة لنمر عنها متناسين ان الضحايا هم اطفال لا ذنب لهم.. نراهم ولكن لانكاد نلحظهم او يحركوا فينا روح الانسانية لاننا بكل بساطة فقدنا الاحساس وانغمسنا في حب الذات.
فلا نتذكر معاناتهم مع الجوع ونحن نتمتع بما لذ وطاب من اصناف الاكل والشرب التي يرمي اغلبها في قمامة أحلامهم ؟

توقفوا قليلا وأنتم تقودون سياراتكم وانظروا الى جوانب الطريق.. الى حاويات القمامة.. فلعل ابتسامة منكم او كلمة طيبة تعيد الأمل والتفاؤل لقلوب بعض من اؤلئك البشر الذين قذفت بهم الحياة ليفترشوا الارض القاسية
ويلتحفوا السماء..
توقفوا من اجل اطفال سرقت منهم الضحكة, حملوا على عاتقهم المسؤولية في وقت مبكر, لم يستمتعوا قط بطفولتهم, اجبرتهم قسوة الايام على خلع ثوب الطفولة.. وفرضت عليه حياة بملامح خلت من البراءة.

توقفوا للحظات مهما كانت أهمية مشواركم.. وابحثوا عن وجه غدير في مئات الوجوه التي تفترش القمامة.
غدير ستزرع فرحة من نوع خاص في جدول أعمالكم..!!




  • 1 فاتن 21-11-2014 | 06:28 PM

    الله يسعدك ياايمان نادر ان نلاقي اناس بطيبتك وانسانيتك يهتموا بهيك فئه من المجتمع المغلوب على امرهم واوصلهم العوز الى مااوصلهم الله يقويك ويكثر من امثالك

  • 2 ابو أيهم الحارث 21-11-2014 | 07:20 PM

    هظول........يا ست أيمان وسلامتك والنعنع

  • 3 IK 21-11-2014 | 10:23 PM

    الله يسعدك ويحميك
    نعم المشكلة فينا
    لم نكن هكذا

  • 4 سهاد القواسمة 21-11-2014 | 10:48 PM

    كتاباتك دائماً تشعر الإنسان أن الدنيا لا يزال فيها خير ، دائما مبدعة وذات قلب كبير


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :