facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





رائحة زعرور .. وقلادة حرمل


باسل الرفايعة
22-05-2015 06:46 PM

( لأجل بئر خداد التي تشعُّ في الحصى والنسيان)

باسل رفايعة




(١)

لو كانت الحياة تمنحُ خيارات عاجلة، في لحظةٍ ما، دون حسابات للمخاطر، لعدتُ فوراً الى قريتي بئر خداد، على سفوح الجبال. لا أريدُ أكثر من بيت في الخربة القديمة، يحيطه حوش، في أطرافه "ربقٌ" لأغنام، وكبش وحيد. لا يبدأ الصباح الا بديوكٍ تربيها شمسٌ عجوزٌ في الغرفة المجاورة، حيث أخبئ التبن، وحيث "عِدْلُ" الطحين، وبعض الفئران.

في الثامنة والاربعين، تهجسُ بان تعود، أنت الذي لا تعودُ أبداً، تريدُ قريتك بكل الزعارير واللوز المرّ والعتمة التي تشعّ من "لامضة" او "لوكس شنبر" او لئلا تنسى، فالقرى تشعّ من حصىّ في الليل، حيث يضحكُ الجنّ، أو يرجمونك بالحجارة عند "مدعق الجفالة".. أو حيث تصحو الغولة حول موقد الشتاء بحكاية من جدتي "خضرة بنت رفيع". تلك التي ألهمت جواهر رفايعة ذاكرة شديدة الانتباه. لعل الذاكرة الهامٌ مثل بطولة. لمن لا يعرف أدلّه على "الغجر والصبية". هذا إسرافٌ في الحنين. وكل إسراف تقتضيه الشهوة، أو يغريه السرد.

لا يهمّ. أعود الى العودة. إلى بئرخداد، مكاني الأول. دون كهرباء، دون إنترنت، دون باصات قادمة من معان بالخبز الأبيض، أريد صاجاً يصطك تحت "ذرم" الشيح. أريد كل البيادر، لا استثني "الجَلَدة". أريد القمح، حتى ""القايص". أريدُ أمي، وجدّي علي، وأبي حصاداً في "القبلية" أو في "صدور عيال سالم". أريد عمي عبدالله، حين قال لأمي " لا تشغري ع المارس" أو عمي يوسف وهو يحصد في تموز بمعطفٍ ثقيل. أريد ذلك الرجل الذي كنت أحصدُ معه في "الخانق".. عمي محمود، وقد طلب ماء، فأحضرته مخلوطاً ببعض التراب، وحذرته من الميكروبات، فاستهزأ بي وبلويس باستور، قائلا " خلي هالميكروبات تذبحني" وما يزال يعيش، وسيعيش مثل كل الزعارير. أريد فأس عمتي أمينة وإصرارها على ترويض الجبال والصخور، أريد حلوى من خالي أبو ماجد وهو يعود على دراجته العسكرية، مليئاً بالحكايات والضحك.

أريد ان اعودٓ الى طينٍ في الوادي، والى ورّادين ووراداتٍ على البئر.

هل ماتت ابنة صبحية غريقة في البئر، هل لا يزال ذياب لا يحبّ التفاح، هل نامت دكان البريشي، ما أخبار كرم أبي زياد، هل انقلبت التراكتور فعلا على عوض بديوي، هل سرق عزرائيل بيض تمام القعامرة، هل سطا رستم العربي (سالم بن عودة الرفايعة) على الهستدروت، لصالح عبد القادر الحسيني..

لو كانت الحياة تُعيدك، لعدتَ الى حيث تنام على "الصرار بن الصرار" .. وإلى الجنيات في "شمّاخ". وإلى فاكهة صيفية تسرقها انت وماجد وبادي وجمال ونائل، والى أسماء، وبيوت، ودفاتر، يفتحها محمد أكرم شاهين، ويقرأ مثل فاتح عظيم: رأس .. رؤوس. هذا هو الجمع، لكن المفرد ليس اسماً. إنه شقاء من يتذكرْ. لا عليكم. أنا محضُ رجلٍ يتذكرْ..

(٢)

أما أيّار (مايو) فكان شهراً لانتظار الحصاد في صبايَ. السنابلُ تؤولُ الى الذهب، والخضرةُ تنسحبُ من سيقان الزرع، والتراب يتصدّع تحت شمس قاسية. لكنّ الموسم آتٍ لا محالة، وعليك أن تستعدّ لإجازة الصيف، أي تتهيأ لشقوقٍ في الكفين، ولقيظٍ جبّار.

هذه إجازة الصيف. التلاعُ تنتظر المناجلَ والأكف، فإما ان يرحل الآباءُ إليها بدوابٍ وبيوت شَعْرٍ، أو أن ينشد الحصادون الحقول فجراً مع الندى، ليسهلَ الحصدُ، والتغميرُ، قبل افطار من الخبز والشاي وجبنة "أبو الولد" لمن كان محظوظاً.

هذه إجازة الأطفال في قريتي بئرخداد، وفي كل القرى الأردنية، يصبحون رعاةً وحصادين ورجّادين منذ السابعة تقريباً. الآباء لم يسمعوا قطعاً بميثاق جنيف لحماية الأطفال. جنيف تشبه أي جنيف. وبئرخداد تشبه كل بئرخداد شمالاً وجنوباً. لا بأس الأمر ليس مُحزناً، كما قد يبدو، فقد كنّا نلهو بإجازتنا، ولا نعرف التعب، فأنت تصحو بعد بزوغ الشمس، لترافقَ الحمار الى الحصيدة، وتجدَ كثيراً من التشجيع حينما تكون شاقوقاً، وتتولى مهمة إشعال النار وإعداد الافطار، وإحضار المياه للكبار، ثم لديك فرصة لتكون رجّادا، وتستمتع بصحبة الحمار في الطريق الى البيدر. ومن اللهو انك قد تعثر على سلحفاة (قرقعة) او قنفذٍ في الحقل، وأجمله انك تتدرّبُ على أهازيج الحصاد، التي تعلمك ان المسيح يرقدُ في فلسطين ( يا صباح الخير دايم.. دايماً ويظلْ دايمْ/ صبّحتْ بيض العمايم/ صبّحتْ عيسى بن مريم في ظِلاَل القدس نايمْ). أو تتعرّف على قبيلة عبس في أهزوجة ( صبّحتْ حيران عبسْ .. بين ظل وبينْ شمسْ). أي انك تغني، وتنادي على المناجل، بحماسة ونخوة ( منجلي وامنجلاه .. راح للصايغ جلاه . منجلي مرجوب وانا ابو علي.. تقطعْ العرقوب هية منجلي). أي أنها ألعابٌ تعليمية اذا شئتم.

ألم أقل لكم انها إجازة. تبدأ ببعض المرح والشقاء، وتنتهي، عندما يأذن لك الحصادون بالتصييف. وتلك قصة اخرى تنتهي بالحلوى على البيدر، فبعد أن يُكمل الأب وجيرانه في الحقول المجاورة حصد الزرع وتغميره، يسمحون لك بالتقاط السنابل الضائعة، وهذا حقّ مشروع لك وحدك، تنهمكُ في جمعه، وتستخلص منه الحَبَّ، وقد تبيعه، او تقايضه بما شئت، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

لم تنته اجازة الأطفال. فأنت تشارك في الدْراسْ، وتنتظر "صاع الخليل" . هل هو ابراهيم الخليل أبو الأنبياء، أم محض تقليد زراعي. هذا ما لا أعرفه. المهم ان "صاع الخليل" هو أول حصة يأخذها الأب من القمح بعد ان يُذرّيه من التبن، وهو منذورٌ للأطفال، ويحقّ لهم أن يشتروا بثمنه ما شاؤوا من حلوى.
تلك من أيام جيلي، ومن إجازاتهم الصيفية. ومن يأبه لميثاق جنيف. حتى أنا لم آبه له، فقد كنت سعيداً، بكثير من القشب (الاغزيما) في وجهي، ويديّ، وبحذاء بلاستيكي. كنتُ سعيدا، ولم يكن لديّ "بلاي ستيشن" ولا حذاء ميسي وقميصه. هكذا مثل راعٍ وحصادٍ ورجّادٍ، لا صيف له الا حينَ يحينُ "صاعُ الخليلْ"..

(٣)

أواصلُ الكتابة عن القرى في آخر الليل. هل قلت: الليل؟ حسناً. كانت لي قريةٌ كلها ليل. هذا من زمن لا كهرباء فيه ولا تلفزيون. النجوم كانت تشعّ في العتمة والسناسل، وفي حجر السنّام والصوان، أما القمر فكان سريعاً في العبور، وضجراً في الزيارة الشهرية. أحياناً يتخفى بين غيوم الشتاء، ويراهقُ في الصيف على عجلٍ وخجل. فما ليل القرى.. يا ترى؟

الليل في قريتي بئرخداد كان يستسلم عند غروب الشمس، مثل جنرالٍ مدجج بالأوسمة، دون انتصار واحد. الأغنام الى حليب المساء. الجّدات الى الحكايا. الرجال الى خرز المسابح بعد صلاة العشاء، يعدون الأيام إلى الخميس. العسكر العائدون إلى نسائهم، بالمؤن وبسكويت ج. ع، وبعض الفاكهة من عمان، وما يتبعها من تعليلة، يُوقد من أجلها البابور للحمام.

الضوء غالباً من "لامضة نمرة ٤". أو من انعكاس النجوم على الحجر. أحياناً كانت النيران تندلع في مواقد التنك، ومن كان يمشي كان يغني، ربما من الخوف، او بحثا عن أنسٍ، لا يوفره "اللوكس" في يده، فالظلام كثيف وممتد في البعيد، فيما الجالسون في بيوتهم يهبّون فجأة حينما تهدر محركات سيارة. الجميع بصوت واحد: "شو السيارة".. ؟

أما المجالس، فكانت للغولة والجنيات وقصص الضباع والأفاعي، ولا أنسى القصص البطولية عن "امحمّد الأشيقر" و"سالم بن عودة" إياه الذي كان في جند عبد القادر الحسيني، ولا "مدالله" ذي اليد المحروقة، ولا "بخيتة الخيشية" التي تخيف الأطفال، وتفتعل المناكفات.

لا كهرباء. العتمة تغرس اوتاداً حول البيوت. الطوابين تستعد لخبز الصباح، والريح تنقل السواليف في الخربة العتيقة، ثم لا تدوم التعاليل أكثر من التاسعة، يهبط النعاس على القرية، يتثاءب الرجال، وتنشغل النساء في جلي كؤوس الشاي، ليفهم الزوُار انّ الليلَ انتهى..

(٤)

فاتني من ليلِ أمس ليلٌ كثير، فقلتُ أقصّه، وَمَنْ أنا حتى أقصّ عليكم. أنا أيُّ رجلٍ يتذكّر، وبعضُ رجلٍ يحنُّّ، ومن يحنُّ يكتبُ، ويبحثُ عن كلمةٍ ضائعة.

فاتني غزيرٌ من ليل القرى، فاتتني الروايةُ، ونعستُ في أول العبارة، حينما تنحنحَ الراوي: يا سادة، يا كرام. كنتُ حينها في الخيط اللذيذ الذي يشدُّ النوم، ولا يرتخي. كنتُ مِثْلَ حرّاث نامَ، وهو يهمّ بأوّل فدّان. لم أنسَ رائحة الزعرور. لا ينسى الرجلُ رائحة الشجرة لأجل السرعة. البطءُ تذكّرٌ والسرعةُ نسيانٌ، وذلك من ميلان كونديرا، وليس من عبد ربه الشيخ، الذي سافرَ بأحلامه من بئرخداد الى مصر، ووقع حذاؤه في نهر النيل، فأمرَ جمال عبد الناصر الضفادع البشرية المصرية، بمزيدٍ من العناية بحذاء عبد ربّه، وقد أثخنته الشجاعة ليلاً بجراحٍ ارتجّ لها الدماغُ، ودمعت الحكاية.

ذلك من ليلِ بئرخداد، ومن واقعيتها السحرية، وَعَبْد ربه الشيخ ربما هَربَ من روايةٍ لماركيز، كأيّ ساخر في متاهة، وكأيّ كائن عاشَ الف عام في عزلة، في بيت شَعْرٍ، ولديه "عمشة" يرى بعيينها زوّار الليل الذين أخذوه الى نهر النيل.

لا عليكم. يا سادة، يا كرام. أعذروا ارتباكَ الراوي، ونعاسه، هو لا يعتذرُ أبداً. هو ينسى. ومن لا يدهمه النسيانُ يموتُ في صباه. لقد عاشَ في الليل، واحترفَ العتمة. تلك التي كانت تنبحُ مع الكلاب في ليلِ بئرخداد. لعلها كانت تلوذُ في مغارة سلمان، أو هرابة بشير، عند رائحة الحرمل، قريباً من التكّسة. لن أشرح المفردات هذه المرة، فهذه جدّتي لأمي "صالحة" تذهبُ في قشيد السمن، والحُمّيضة، وتلك جدتي لأبي خضرة بنت رفيع، المتخصصة في ضرب الرجال عند البئر، وهي بنتُ الليل وَأُمَّه. وُلدنا جميعاً ببأسها، دُونَ صفارٍ أو خلع ولادة. كانت الطبيبة الشرعية التي تَهِبُ الليلَ للحوامل والمعسرات، بقليلٍ من الصبر، وبكثيرٍ من العنزروت.

لا تسألوني، يا سادة، يا كرام عن العنزروت. لعله عشبٌ أو تعويذة. كان ذلك من الليل الذي لا يتشابهُ في الفصول. الشتاءُ كثيفٌ الشرقية والحليت والجليد. وفي كل عام ثمة "ثلجة حمراء" في البئر. تأتي المروحيّات من عمان بالإغاثة والفرجة، ويتعاضدُ الناس حول صوبة البواري، تلك التي تهبّ عليهم فجأة، كما شاءت الريح، وهي للطهو وتقليب الأكفّ، ولا تجدي شيئاً حينما تداهم الأطفال حكّةُ القدمين في الهزيع الذي يرتاحُ في مرداحٍ واحد.

نفقت الأغنامُ في أي "ثلجة حمراء" وما تبقى داهمتها الذئاب. بعضُ النعاج نجتْ، وكان من حظها ان الكباش بعافية، تأذن لها أن تحملَ بخرافٍ، تُولدُ، وتغدقُ علينا بالحثيمة، وذلك لباءُ النعاج، ولباءُ من فاتته الرضاعة، فتولته نعجةٌ أو عنزٌ مثلي، فشبّ شديدَ المناعة.

فاتني الليل، وَمَنْ لا يفوته الليلُ، يصطلي بشمسٍ عنيدة، بعد أربعينية الشتاء . هذا هو الربيعُ بعد "ِسعْد الذابح" و"ِسعْد الخبايا" و "ِسعْد ابلع" و "ِسعْد السعود"، وقد قرعت العجوزُ مع السيل، وبكتْ على ماعزها، ولم يبقَ إلا ان تدهمها الحسرةُ على لبنٍ خضته في السِعْن طويلاً، ولم يؤت مخيضاً، ولا زبدة.
على أية حال، ليلُ الربيع فوّاحٌ، وقليلُ الحطب والديزل، انسحبت منه الغولةُ، وتركته للثعالب التي تهمّ بالدجاج، وتنهرها الديوكُ، فيصحو الرجالُ، بمجارفَ (طوريّات) ويحذرون من خداع الثعالب، ويمشون على أطراف الأصابع، لئلا يدهمون البيض، فيضيعُ جهْدُ الديوك.

لم ينعس الراوي. ما زال الليلُ في أول الليلِ، وما زال "الهيشي" مكتظاً في العلبة المعدنية، يحرسه دفتر "أوتومان".. وإذا كان للرواية من بطل اسبارطي، فهو عمي عبدالله. يلفّ سيجارته، بطول بالٍ، ويدعو للناس بطولِ البال. كان رجلاً يُدخّنُ ليعيش، ولا يأبه للطعام، لا يذوقه حتى تشبعَ العائلة، المهم ألا ينتهي إبريقُ الشاي.

الليلُ، أعني الذي كان في بئرخداد، كانَ ثرثاراً كالينابيع، وهذه بعض ثرثرة، ربما يرى الراوي ألا تنتهي كرغيف في كفّ جائع، وكخرافةٍ تسخرُ من التماثيل والعجائز والوشوم والتمائم. ربما يرى ما يراه النائم، وهو يخشى الثعالب، ويصطك تحت لحاف الصوف، وليس ثمة تميمة. ليس ثمة أحجية، فيعوذُ من السحر، ومن الغفلة.. وينام..




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :