facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





الحرية أولاً


د. رحيّل غرايبة
07-08-2015 03:39 AM

وجدت نفسي متفقاً مع العنوان الذي طرحه الأستاذ (سائد كراجه) لمقاله في جريدة الغد الأردنية يوم أمس، لأنني أعتقد أن حرية الإنسان صنوان آدميته، وجوهر كرامته، فعندما يفقد المرء حريته فقد غادر آدميته الحقيقية، وفقد كرامته، لأن الكرامة كلٌّ لا يتجزأ ولا يتبعض، فالحرية تولد مع الإنسان، بل يولد الإنسان حراً بالتعبير الأصح الذي ورد على لسان الخليفة العبقري عمر بن الخطاب، فالحرية لا تكتسب اكتساباً، ولا تمنح عبر القوانين والأنظمة، ولا تباع في دكاكاين السلطة، وليست بضاعة محتكرة لدى أنظمة القهر والاستبداد، والحرية لا تستجدى عبر التسوّل على أبواب الأقوياء وأصحاب النفوذ.

علاقة القوانين بالحرية علاقة مشوّهة وملتبسة، لأن القوانين لا تمنح الحرية كما يتوهم كثيرون، بل إن الفلسفة الحقيقية للقانون تقوم بجوهرها على حماية الحرية وصيانتها، وتنظيم ممارستها بطريقة راقية ومتحضرة، من أجل منع العدوان عليها في حالة الازدحام لدى التجمعات البشرية، وعند تناقض المسارات الفردية وتصادم المصالح المتعارضة، ومن هنا فإن علامة التقدم لدى المجتمعات البشرية تقاس بتقدم تشريعاتها، وتقدم التشريعات يقوم على معيار حفظ الحريات العامة وحماية الحقوق الفردية، وفقاً لأفضل مستويات الخبرة البشرية على هذا الصعيد.

أما العلاقة بين الحرية والسلطة فهي أكثر لبساً وغموضاً وتشوهاً، حيث أن السلطة تقوم وظيفتها الأصلية على حماية الحريات وحفظ الحقوق عن طريق التشريعات السليمة أولاً، وعن طريق استعمال القوة المشروعة ثانياً، لمنع الاعتداءات ومنع الفوضى، ومن أجل الحيلولة دون استخدام القوة والعنف لدى الأفراد والجماعات فيما بينهم، بطريقة غير مشروعة، وخارج دائرة القانون والنظام، ويأتي الالتباس من خلال الاستعمال الخاطىء للسلطة عندما تصبح أداة بيد المستبدين لمصادرة الحريات أو الاعتداء على الحقوق بطريقة ظالمة ومتعسفة، وعند استخدام القوة في غير موضعها.

العلاقة الأشد غموضاً والتباساً هي علاقة الحرية بالدين، عندما يجري تداول الفهم المعوّج والمتعسف لهذه العلاقة؛ من طرفين في وقت واحد، من طرف أهل التدين والمنتسبين للدين، ومن طرف خصوم الدين وأعداء التدين كذلك، حيث أنهما يتحاوران حوار الطرشان على مقولات مغلوطة تقول أن الدين جاء لمصادرة الحريات وقهر إرادة البشر، ويجري أحياناً عبارة ظالمة على لسان بعضهم عندما يقولون: (لا حريّة في الإسلام)، فهؤلاء لا يفقهون حقيقة الوجود الإنساني القائم على معنى الخلافة في الأرض وحمل أمانة إعمار الكون، ولا يفقهون الحقيقة العملية المترتبة عليها إذ لا يقوم الإعمار ولا تتحقق الخلافة إلّا من خلال الحرية الحقيقية والتامة للافراد.

يفهم هذا المعنى من قوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، وقوله تعالى : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، والابتلاء القائم على معنى الاختبار لا يتحقق ولا يكون عادلاً إلّا إذا كان الإنسان حراً مطلق الإرادة، حيث أن الابتلاء ينعدم حقيقة ووجوداً وغايةً مع القهر، «فالحرية قبل الدين» قطعاً.

وبناءً على هذه المقدمة فإنه لا سبيل لبناء الأوطان إلّا من خلال الأحرار، ولا سبيل للتحضر والتقدم إلّا عبر الحرية، ولا إبداع ولا إنجاز ولا انتاج إلّا من خلال المواطن الحر القادر على حماية حريته أولاً، والقادر على الدفاع عن حقوقه قبل أن يكون قادراً على حماية وطنه والدفاع عن أرضه وأمته ومقدراته.

«الحرية أولاً» شعار صحيح، يجب أن نتوافق عليه جميعاً شعوباً وأنظمة، أفراداً وجماعات، أحزاب وقوى سياسية، واتجاهات فكرية وأيدولوجية، حيث أنه لا مجال للتقدم خطوة واحدة نحو المستقبل قبل إنجاز هذا التوافق الحتمي، الذي يعد أهم الضرورات وأعلاها مرتبة.

الدستور




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :