facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





خيار الحياة وثقافة الموت


د. عاكف الزعبي
24-08-2017 01:47 PM

عمون -حياة المجتمع معمار من طابقين، بنية تحتية هي الموارد الطبيعية والبشرية والمنجز المادي، وبنية فوقية هي ما يبنيه المجتمع مكملاً به اسباب حياته ليجعل عيشه ممكناً على نحو أفضل، ويكون أكثر انسانية وأيسر قابلية للاستمرار. فالبنية الفوقية هي ما يكسب المعمار بمجمله خصائصه ومواطن التميز فيه ومضمونه الثقافي، وامتداده الانساني، وبالتالي شخصيته التي تحدد له هويته الوطنية .

البناء الفوقي للمجتمع المدني المتقدم يتميز بالفكر الحر المتنور القائم على العقل، والثقافة الحية المنتجة، والعلم المتجدد، والتكنولوجيا المتصاعدة، والادب المثري، والفن المبدع، وعالم الاتصال الفعال، والرياضة البدنية والنفسية التربوية . بكل هذه ينقاد المجتمع للعقل، ويمتلك ارادته، وتنبعث روحه، ويبحث في فلسفة الحياة وتجددها الدائم ونواميس سيرها، وما تنطوي عليه سنن حركتها من التضاد والتناقص المسيران لحياة بني البشر والمحفزان للأمل والدافعان لإعمار الارض وتجميلها بالإبداع .

لا وجود لمجتمع حي دون ثقافة تنزع للتغيير والتجدد والبحث في أفق من تنوع الفكر وتعدد الرؤى بحيث يتماهى فيها الفكر المتنور مع النظرة الاستشرافية والعلم الخلاق والانفتاح على العالم، والاقبال على الحياة. انغلاق المجتمع على ثقافة جامده يأخذه الى طريق ذي بعد واحد لا يرى فيه من طيف الحياة الا لوناً واحداً ولا يسمع من موجات اثيرها الا تردداً واحداً حتى ليبدو فاقداً للحواس والاحاسيس، ويمسي عاجزاً عن احتضان القيم الإنسانية الكبرى مما هي بمقام الحرية والعدالة والمساواة والعيش المشترك والمحبة والسلام. وشيئاً فشيئاً يفقد بعده المدني ودوره الحضاري ونسيجه العالمي .

الفكر والثقافة والعلم والفنون بأنواعها هي حافز عيش المجتمع وباعث تمدنه ومراكم الحضارة فيه. وهي بوابته المفتوحة على العالم باتجاهين لتبادل المنتج الانساني بأنواعه مما يرتقي بالحياة وينعش مكنوناتها الواسعة. بوجودها يجترح المجتمع شخصيته الخاصة به وهويته المميزة. وبها يسجل حضوره في المشهد الانساني والحضاري العالمي بين المجتمعات الاخرى، ويصبح معمراً للأرض وناهضاً بأسباب الحياة .

من بين المجتمعات من كانت الحياة خياره فمضى يبني فوق البناء التحتي حضوراً مجتمعياً انسانياً زاخراً بثقافة الحياة بما فيها من تنوير وتعدد وتنوع وتجدد وانتاج وقبول للآخر. ومن كانت ثقافة الجمود خياره استمرأ العيش في الماضي وظل دائم الاقامة فيه، وتسرب الزمن من بين يديه وعلى مرأى منه وعزل ذاته عن سنن التغيير وسعى في طريق الذبول والركود المميت .

هذا هو الفرق اليوم بين المجتمعات المتقدمة والاقل تقدماً والباحثة عن التقدم وتلك الراضية بنعمة تخلفها . المجتمع الاكثر تقدماً هو الاكثر انجازاً في الفلسفة والعلم والادب والفن، وهو ذاته الاكثر غنى بالثقافة الحية المنتجة المجسدة لقيم الحرية والعمل والتعاون والانفتاح والاعتراف بالآخر واحترام الوقت والنجاح. والمجتمع القانع بتخلفه هو الذي لا يحترم العقل ولا يؤمن بالعلم ولا يقرب الفلسفة ولا يدرك التغيير ويخشى التجديد ليتحول من بعد الى عدو له.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :