facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





أجاك الموت يا تارك الصلاة!


لارا مصطفى صالح
19-01-2019 11:32 AM

على عتبة الأربعين، وقورة الطلعة، فارعة القامة، بدت بتفاصيلها كمن لم يمسسها بشر ولكن مسها العمر، فخلف تجاعيد خفيفة بدت مثل الزغب عند أطراف عينيها. قالت دون أن تلتفت إلي كأنما تخاطب الملف بين يديها:

- ٤٢ عمرك؟

- تقريبا.

- الأربعين سن العقل والنضوج.

- ليس بالضرورة!

- ابتسمت ابتسامة باردة وقالت: صورة الرنين بسيطة فعليا، لكنها شاقة على ذوي القلوب الضعيفة، ما أحوال قلبك؟

- لست خبيرة قلوب! أجبت. لكن الراجح أنه لايزال بحال جيدة.

- ردت بجدية: ليس هذا ما قصدت، إنما أقصد من الناحية العاطفية، أقوي قلبك أم ضعيف؟

- ضعيف، هي الكلمة الأقرب إلى الواقع.

- إذن تناولي حبة الدواء هذه، ستنامين على الأغلب ولن تشعري بشيء. وأردفت، استسلمي للنوم،
فهذا أفضل لأنك إن تحركت أثناء الصورة، سنتوقف ونبدأ من جديد. أومأت لها بالموافقة. ودخلت إلى الجهاز الذي يشبه القبر.

"أجاك الموت يا تارك الصلاة"! قلت بصوت خفيض. وأذعنت لإحساس مترنح وبدت لي العتمة مبعثا جيدا للنوم. اختفت كل الأشياء الثمينة. صور وأشباح صور، تومض كالبرق ثم تتلاشى. يعز علي النوم، فربما مرت صورة ستي من بين جموع الصور. صحيح، كيف يكون لي ستّان ولا أذكر إلا أم الأنيس! كاد قلبي يقفز من صدري عندما لاح طيف خالي أنيس، بتقاسيم وجهه الوسيم، وهندامه الأنيق، وشعره الأسود الكثيف كما كان قبل أن يصبح حليق الرأس بفعل الكيماوي الذي أطفأ عمره في ربيعه. بكيت كما لم أفعل من قبل، ضمني إلى صدره وقال بصوته الذي لا يشبه صوت أحد: ( لا تبكي، بدكيش تيجي معي تشوفي ستك)؟ ارتبكت مخافة أن أجيبه بما لا يريد، وإذ كرر علي السؤال، فاستجمعت قواي وأجبته بصوت خافت: (بدي)! فتحت عيني، ولا زال المشهد حاضرا أمامي.. يبدو أنني غفوت قليلا...ماذا قلت له؟ بدي! وحد الله يا خال... لا ما بدي!

الأصوات الصادرة من الجهاز تشبه وقع سنابك الخيل. مذاق القهوة ما زال يداعب سيالات لساني العصبية. رددت سورة الرحمن بعقل تثاقلت ذبذباته: (الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان).. الميزان! وماذا عن المآسي والأوجاع والحروب والخيام والفقر والبطالة والظلم! لاحت لي على الفور صورة وجه الطفل عند إشارات الجاردنز في عمّان وهو يقول بصوته الذي يرتعد من شدة البرد: (تشتري طاقية؟).. موجع جدا أن ذلك الطفل أقل حظا في هذي الحياة من أترابه...

صورة التقويم الجديد لمعت أمامي، فجأة ولم أر فيها سوى تاريخ الخامس والتاسع من تموز! الخامس عيد ميلاد ولديّ، لكن لماذا التاسع؟

تذكرت رسالة وردتني صباحا من صديقتي التي قد تهاجر مع قتيبة لكن بحثا عن الحب لا الرزق. ...تقول صديقتي في رسالتها التي بدت أمامي كشريط إخباري ... (هل سأتمكن يوما من الذوبان في وهج حب مثل حب روميو وجولييت؟) ... (وارد، طبعا).... (دعينا من المبالغة، أقبل بحب مجنون، وأشواق عارمة لكن بدون تضحيات)..... (مسكينة أنت يا صديقتي، فالحب الذي لا يبلغ حد التأليه والتضحية بالنفس لأجل المحبوب، هو ناقص حتما!)... (قابلني والأشواق في عنيه).... (سلم..سلم وخد ايدي في ايديه)..

توقف شريط الرسالة وأنا أدندن بالأغنية...ترى، كيف كان شعور أم كلثوم وهي تغني (ودارت الأيام)؟ هل ركعت روحها في محراب ذلك اللحن السماوي؟ ..(قابلني والأشواق في عنيه).

قشعريرة دافقة جرت في بدني عندما أعلنت الأخصائية عن انتهاء الصورة أو تجربة الموت الأصغر بتعبير أدق. وتلاشت كل الأصوات والصور حالا بعدما أبصرت عيناي نور الغرفة.. نهضت وأخذت أسترد اتزاني...

- كم لبثت؟ سألتها.
- خمس وأربعون دقيقة. أجابت. ثم تابعت على الرغم من قصر المدة لكنها مرهقة أليس كذلك؟

خمس وأربعون دقيقة، خلتها دهرا! لم يبق لي منها إلا الألق الذي خلفته تلك الصور والأصوات فكانت عزائي وسلواي في ذلك الحيز الضيق من عمري الذي مضى في تلك العتمة.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :