facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





انهم يعشقون الأسد


د. منذر الحوارات
11-02-2019 11:20 PM

سوريا واحدة من دول الربيع العربي ابتدأت بعبث طفولي حالم حاول محاكاة ما جرى في غير قطر عربي، وأدى حتى ذلك الحين الى تغيرات طالت رأس النظام في تلك الدول، ورغم ان الكثيرين لم يكن لديهم اي قناعة بأي إمكانية لتحرك داخل تلك الدولة لأسباب عديدة، أهمها قوة النظام ومتانة مؤسساته، والتشعب الحلزوني لتضامناته الاجتماعية والتي اعتمدت على مصالح متبادلة ومعقدة لا يمكن ان تنفك بسهولة تراوحت على أصعدة عدة الطائفية والحزبية والإقليمية والعشائرية وحتى (النضالية) لكل واحدة من تلك الفئات امتداداتها على الصعيد الداخلي والخارجي، ما سهل بأن يكون لكل منها دوره المحدد داخل دوائر النظام ويتلقى بناءً على ذلك المكافأة التي تناسب ذلك الدور، يضاف الى ذلك مؤسسة عسكرية وأمنية شديدة الولاء، مبنية على منظومة معقدة من المصالح المتبادلة فيما بينها.

ايضاً تحالفات النظام الإقليمية، لم تكن مرسومة على اساس ما يعرف بين الدول بالمصالح المتبادلة، بل تجاوز ذلك ليصل الى مرحلة التكامل في البقاء، فالواحد يدعم الاخر في استمراريته وبقاءه، وهذا ينطبق على العلاقة مع ايران ولبنان المُهَيمَن عليها من قبل حزب الله ، فبقاء واحد من هذه الأطراف يطيل عمر الطرف الاخر.

اما على صعيد العلاقات مع الأعداء، والاصدقاء، فقد كان يصوغها وفق عقيدة محددة شديدة الدهاء تعتمد على وضع شروط للعبة الإقليمية بشكل محدد ودقيق، يلتزم بها طالما تتفق مع مطالب الدول القوية والعظمى، ولم يذهب الى اي واحدة من تلك الصياغات ابداً من دون طرف دولي قوي وداعم الى جانبه، وهو يكون مستعداً للقبول بشروط اكثر اجحافاً في اللحظة التي يدرك فيها ان بقاءه بات مهدداً او ان شريكه الدولي مستعد للمساومة عليه، حينها اما ان يتنازل هنا اعني شريكه او هناك اعني عدوه وهذا ما حصل في غزو اسرائيل للبنان عام ١٩٨٢م، حيث اعترف شارون انه خرق شروط الاتفاق، وان النظام قبل وإن على مضض.

كل تلك المعطيات، افترضت ان في دمشق نظام قادر على التعامل مع المعطيات بشكل يتجاوز المألوف في الدول السابقة في الربيع، وبالتالي سيواجه النظام اي تحدي لوجوده بقوة مشروعيته، وليس شرعيته، الامر الذي سيجعل التحرك ضدة كعبث ينتهي قبل ان يبدأ، ولكن هذا لم يحصل، فماذا اذاً ؟

ما الذي جعل حركة محدودة في مدينة طرفية تتدحرج الى حرب أهلية من اقسى وأعقد الحروب في القرن الواحد والعشرين، هل أراد النظام ذلك؟ وان كان هذا فلماذا ؟ هل هي مؤامرة كما يقول النظام ؟

الإجابة معقدة ومعلقة ويصعب تحديدها بشكل موثق، ولكن الاكيد ان النظام استخدم قوة تفيض بشكل لا يقبل المقارنة عن الحدث ذاته، فهل فعل ذلك لأنه يدرك ان قوته المذكورة أعلاه، ما هي الا قشرة سرعان ما تتكسر، امام اي اندفاع شعبي مطالب ولو بجزء من حقوقه ؟
انا أميل لذلك، فقد كان الداخل الشعبي السوري يرزح تحت وطأة التفاوتات الاجتماعية بكل اشكالها، الطبقية، والطائفية، وكان الفقر المتنامي، والإحساس بغياب العدالة، وربما الكرامة، يغذي لدى الفئات الاجتماعية، رغبة جامحة نحو التمرد والانعتاق، وكان لربما يتحين الفرصة لذلك، وهذا ربما ما أدركه النظام، فكانت طبيعة الرد من جنس الواقع، الذي يتكرس لديه قناعة، بأن اي اصلاح غير ممكن، وبالتالي التغيير هو الخيار الوحيد للانعتاق، فكان العنف المفرط هو الحل الأمثل.

ولكن هذا العنف، لم يُفلح في ردع المحتجين، والذين باتوا يتزايدون وسقوفهم ترتفع، وتحديهم لألة القمع يتزايد، فكان التكييف الرسمي الأولي للاحتجاجات، بأن من يفعل ذلك هم حفنة من المتآمرون على مصلحة الوطن، وكان ذلك على لسان رأس النظام، ولكن هذه الرواية، لم تصمد امام توسع الاحتجاجات، وتعمق اصرارها، بالمطالبة بحقوق واضحة تمس جوهر النظام، بداءات بعض التنازلات، مست الحزب، ولكنها ابداً لم تجب على مطالب المحتجين الذين ولدت لديهم المواجهة مع الأجهزة الأمنية، احساس بالقوة المكبوتة والتي انعتقت من قمقمها.

كان لا بد من صناعة رواية اخرى، ولكن مستدامة يمكن لها ان تصمد لفترات أطول، وكان ذلك بعد ان ادار النظام نقاشاً عميقاً، بأن الامور اكثر تعقيداً مما يبدو، فكان لابد من وضع سيناريو، يحول ما بات الان، يُعرف بالثورة الى مواجهة مسلحة حقيقية كي يتحول الصراع بين معارضة ونظام، على اساس ان كل طرف يدعي ان السلطة حقاً له، وبذلك تذهب الامور الى صراع قوى عسكرية على الارض، للغالب فيها الحق في فرض شروطه،

للأسف سقط الجميع ضحية هذا الخيار، فكان السلاح متوفراً وكأنه استدعي على عجل لترجيح الخيار أعلاه، وأنخرط الجميع في هذه اللعبة، حتى الدول العربية قليلة الخبرة في مثل هذه الصراعات، وجدت نفسها تتبنى وتدعم مسلحين على الارض سرعان ما كان يتبين انهم تابعين للنظام او واحدة من التنظيمات المتطرفة.


الجميع الان أصبحوا منخرطين في لعبة الموت، التي كان اول ضحاياها الثورة السورية ومطالبها في التغيير نحو دولة مدنية ديمقراطية، فها هي مطالبهم تتحول الى برك من الدم تلبي رغبة وشهوة محبيه.


ومثل كل الحروب يصبح سماسرة البشر والسلاح هم القوة الأكبر، والذين لديهم ما يكفي دوماً من الوقود كي يبقوا النار مشتعلة، وهم هنا جزء من ادوات النظام الفاعلة، وكذلك القوى الإقليمية المنخرطة في هذه الحرب، وكل منهم لديه الزبائن بأيديولوجيتهم وأدواتهم على الارض.

اما النظام فقد طور ادوات جهنمية شديدة الدهاء، بحيث وضع استراتيجية أولى هي البقاء، وثانية هي محو كل اثر لمعارض بأساس قانوني وأخلاقي، فبدأ بحملة تشويه على مستوى مذهل لكل معارضيه، فوصمهم بالإرهاب، وشتى النعوت، مما سهل له التهرب من اي التزام مع المجتمع الدولي تجاههم، على اعتبار انهم خارجين على القانون، وهذا السلاح بين أيديهم دليل على ذلك، وكانت هذه الحجة تبدو وجيهة تصمد امام اي محاججة قانونية حول شرعية امتلاك السلاح للدول.

لكن في الجانب الاخر، كان يتحالف مع مليشيات طائفية من كل حدب وصوب، تتبنى مذهباً واحد، وتمترس خلف مقولات محددة تتنافى مع اي منطق دولتي، ومع ذلك لم يعدم النظام الوسيلة في تبرير تحالفه لها في اتجاهين، الاول: فقد كانت القضية الفلسطينية هي الشماعة فهذه القضية حمالة أوجه استخدمها النظام العربي في كل حين لتبرير إخفاقاته، وكانت هذه الحجة للجماهير العربية، اما المجتمع الدولي فكانت حجته جاهزة فأمام توغل التنظيمات الإرهابية، فلا بد من استدعاء العون من الأصدقاء، وها هم جاهزون في حلة المدافعين عن القيم المدنية، للمجتمعات المتحضرة، فدخلوا تحت مسمى الحرب على الاٍرهاب .

وحينما ابتدأت الوساطات، تدخل وتخرج خالية الوفاض من جامعة عربية التي دخلت شريكاً في وقت مبكّر، لغياب خبرتها في الصراعات الداخلية اولاً، والانقسام في داخلها والتنافس على الأدوار، وكذلك كان الامر بالنسبة للمنظمة الدولية فقد كانت رهينة دوما لمصالح الدول الكبرى، لا لمصلحة الدول التي تدور فيها الصراعات،

ومع سقوط إمكانيات الحلول وتوغل القوى المتطرفة وإفراغها الثورة من محتواها، وغياب القوة السياسية الموحدة القادرة على جمع جميع اطياف المعارضة السلمية، بل وتشتت القوى المعارضة، حسب الدول العربية المؤثرة فيها، التي أسقطت الخلاف فيما بينها على المعارضة،

امام ذلك انفلت الواقع على الارض للقوى العسكرية المنفلتة من كل عقال، وباتت المعركة رهينة القوة العسكرية لكل طرف، والتزام داعميه ومموليه، وأكاد أشك في ان الدنيا كلها كانت شريكة في دعم المتحاربين على الارض.

فالمعارضة التي اصبحت قوى متطرفة اسلاموية تدير شبكة عالمية من الاتباع لم يبخلوا عليها بالمال والعتاد والرجال، فحازوا المكان وأنشأوا دولة او مقاطعات على اقل تقدير،

اما النظام فقد بدء يعوزه عديد القوات على الارض، فغازل مطامع ايران الإمبراطورية، ورغبتها في التوسع، والنفوذ والقرب من اوراقها التي قد تستفيد منها في مفاوضاتها مع الغرب حول عديد من القضايا، فلبت الدعوة وانخرطت في البداية على استحياء ولكنها بعد ذلك عن سبق اصرار ورغبة في ان تكون على مقربة من حدث وصراع ربما ترسم طاولة الحلول فيه مكاسب جيوسياسية لها.

وهكذا انضمت ايران الى نادي المليشيات على الارض، فبدل من استخدام حلفائها، اصبحت هي بذاتها وبقوتها على الارض تدير معركتها، من خلال حرسها الثوري بكافة فروعه.

ومع ذلك استمرت مخاسر النظام بالتفاقم على الارض برغم وجود المليشيات وإيران وبات النظام قاب قوسين او أدنى من الاندحار، بحيث غطت المعارضة المسلحة والتنظيمات الإرهابية اغلب الجغرافيا السورية، ما اظهر في حينها مصطلح سوريا المفيدة، والذي اعتمد على امتلاك النظام ومسانديه المساحات، ذات الثقل السكاني والاقتصادي، والتي لا تتطلب عديد القوات للدفاع عنها مما يسهل السيطرة المكانية الأمنية.

ولكن هذا كله لم يفلح امام قوة التنظيمات المعارضة للنظام بكل تشعباتها، فكان لا بد مما لا بد منه، اقنع الأسد ايران بأن الامر يتطلب استدعاء الروس لحسم الموقف ولإيقاف التدحرجات على الارض، وبصعوبة بالغة، وافقت ايران ولكن بشروط ان يبقوا هم الدائرة المغلقة حول الأسد.

كان الروس بحاجة لضوء اخضر من الأمريكان، ولأنهم، اي الأمريكان لم يعتبروا سوريا اولوية لهم في يوم من الأيام، فقد وافقوا بشروط الحفاظ على توازن القوى وهذا تطلب منهم التواجد على الارض، وهذه حالة اقرتها التوافقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، لا يتاح بموجبها لأي طرف الاستحواذ الكلى على المساحات الخالية عسكرياً الا بمعادلة من الطرف الاخر.

وهكذا وجد الأمريكان والروس على الارض السورية في نفس الوقت، وهذا مكسب استراتيجي للولايات المتحدة، ربما لم تكن لتحلم به سابقاً، ان تهيمن على أقصى الشمال وأقصى الجنوب، وأتاحت بموجب ذلك لروسيا ان تصول وتجول في السماء السورية وتقصف وتدمر بدون اي حساب للمجتمع الدولي، فكان الصمت الامريكي والفيتو الروسي هما المميزان لهذه الفترة،

أدى كل ذلك لتراجع المعارضة المعتدلة وخسارتها المتتابعة للأرض، وبدء الامريكان بمغازلة الحالة الكردية، وتغذية الأحلام الانفصالية لديها، فعقدت التحالفات وقدمت الدعم وبدأت بإنشاء جيوب من الحكم المحلي لها، وبرز الى العلن لأول مرة المشروع الانفصالي الكردي في سوريا بدعم أمريكي غربي على ما كان واضحاً،

اغضب ذلك تركيا التي بعد ان كانت تتمتع بالحظوة الكبيرة لدى المعارضة، وجدت نفسها تتراجع رويداً رويداً على الارض، فبدأت بعملية درع الفرات، وأصبحت ورغم الادعاء عكس ذلك موجودة على الارض وبمساحات شاسعة، والحجة منع قيام جيب كردي يهدد الامن القومي التركي، تبعت ذلك بغصن الزيتون، وعمقت بذلك وجودها على الارض.

تتالت بعد ذلك المؤتمرات، فشل في جنيف، وذهاب الى آستانة وسوتشي، وقمم ثلاثية ورباعية جميعهم كانوا حاضرين باستثناء العرب وسوريا،

فأصبحت هذه الدول والمليشيات تفصل الحلول في سوريا، وفقاً لمصالحها الاستراتيجية، يقيسون كم يمتلكون على الارض، ويحولون ذلك الى قيم سعرية يعكسونها مكاسب جيوسياسية، وجيواقتصادية، وعسكرية، ويستخدمون لأجل ذلك فائض قوتهم ويوظفونها ايضاً، تهلهل النظام وتهافته للبقاء مع غياب كلي للعرب، وحضور اخر كان مخفياً، ولكنه ازداد وضوحاً في سماء سوريا، اعني اسرائيل فهي سوف تكون صاحبة المكسب الاستراتيجي الأهم في هذه الحرب.

ولكن ثمة اخرين، كان النظام بالنسبة لهم ورغم عراكهم المبكر معه، طوَّق النجاة، انه النظام العربي الرسمي، الذي استطاع من خلال احداث الحرب في سوريا اعطاء صورةً مشوهة للربيع العربي، فجعل من الحالة السورية، الشاهد الاول على قُبْح هذا الربيع لمواطنيه الراغبين في خوض تجربة التحرر الى الديمقراطية، فالخراب والدمار ماثل للعيان فكان ذلك وسيلتهم لتجاوز ما أسموه محنة الربيع العربي.

اذاً الا يستدعي الامر من كل أولئك اللاعبين، ان يعشقوا الأسد وهو الذي قدم لهم كل تلك الهدايا على ارض سوريا كي يبقى،

ولكن هنالك خاسر مكلوم في وطنه، ستزكم رائحة الدم، والجثث المتعفنة، انفه، وسيوقظه حلمه الكابوسي، وطرق الهجرة الطويلة التي قاسى مرارتها كل يوم تذكره انها ليست النهاية فما زالت هنالك جولة اخرى بطرق اخرى لاستعادة سوريا من عشاق الأسد لعشاقها الحقيقين اعني شعبها.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :