facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





تهيئة الفكر لصعود الحرية .. (3).

جياد آدم
02-07-2007 03:00 AM

حداثويون بلا حداثة.. 'إن المثقف إما أن يكون حداثيا أو لا يكون مثقفا' - ويقصد حداثة النص هنا - عبارة لأحد الناطقين باسم الحداثة العربية تطلق حكما مبرما يتضمن في طياته تحكما يختصر الكثير من الاجتراء على العقل وقمع الآخر بتسفيهه وتجريده من أي حق في أي يقول شيئا إذا لم يكن بمواصفات يريدها صاحب ذلك الحكم الذي هو من يقرر في النهاية من هو المثقف وغير المثقف .. وهي عبارة تساوي تماما أن تقول: إذا لم تر العالم بنظارتي فأنت أعمى .. أو : إما أن تكون معي وإلا فأنت ضدي؟! هذا عدا عن أن الحداثة المقصودة في العبارة ليست هي حداثة الحياة أو حداثة الفكر أو الموقف أو الحداثة السياسية أو الاجتماعية لكان الأمر أهون -رغم رفض العقل للأحكام الباتة بهذا الشكل - لكنها حداثة النص أي الشكل ..وهي مفارقة أخرى تضاف لمفارقة إطلاق الحكم ذاته؟!!

والعبارة تختصر الكثير في تفسير قولنا أن من تنطحوا للحداثة عندنا لم يكونوا هم المؤهلين لرسم حداثة حقة مؤهلة لحمل كل السياقات بشكل نسقي وكلي وبالذات الحرية التي هي مناخ كل فعل راقٍ وإبداع حقيقي.

لأنه لا يمكن للعالِم أو المفكر الأصيل الفكر أو الفيلسوف مثلا أن يطلق حكما كهذا أو شبيها له ويقول لك إذا لم تؤمن بنتائج ما توصلت له فأنت جاهل أو متخلف أو إذا لم تر العالم بنظارتي فأنت أعمى .. وهنا الفرق .

وهنا ميزة أن يجترح الحداثة عالِم ومفكر أصيل( كما حصل لدى الغرب مثلا ) أو يتنطح للحديث عنها فئات أخرى دورها وموقعها الحقيقي هو أن تكون منفعلة ومترجمة للحداثة عاكسة لنتائجها في مراياها لا من يدعي صنعها وابتكارها .

قبل أن يبدأ العالم خطوته الأولى يكون مسبقا آمن بمسلمات العلم ومنها أنه نسبي النتائج وهنا يكمن اتفاق العلم مع الحرية والديموقراطية وقبول الآخر.

وكذا الفلسفة من حيث هي من تقدم للعلم مسلماته وبديهياته (منهجه) ثم هي مَن تتفحص وتنقد نتائجه في مدى تطابقها مع الواقع من جهة واتساقها الكلي مع غيرها .. فإنها بالتالي هي أصلا من أعطت للعالم تلك السمات المتسامحة التي غدت شيئا في أصل منهجه الذي يؤمن به أساسا .

ومن هنا قولنا أن من تصدوا وانبروا لصنع التغيير في الغرب كانوا تنويريين حقيقيين من طبيعة عملهم ونتاجهم أنه أولا يقبل النقد والمراجعة ولا يدعي العصمة والأبدية وليس هو تهويمات وطلاسم في حلقة ذكر خاصة لا يدخلها سوى المريدين والعارفين بالأسرار .. وثانيا أنه كان مؤثرا وله انعكاس مباشر وفعال على الواقع وليس متعاليا في برج عاجي .. حتى الفلسفة ذاتها التي يظن البعض أنها طلاسم وحجب وشطح خاص ما هي في الواقع إلا قراءة متعمقة وإعادة اكتناه متجدد للواقع تعيد إنتاج ذاتها ورؤيتها مع كل جديد.. لكنها قراءة أكثر رقيا من أن تكون انشغالا بالجزئيات والتفاصيل واستغراقا فيها. فهي تنتج المادة الخضراء اللازمة لحياة الفكر والعلم وتقدمه ويناعه .. وليست هي قفزا إلى النغمات الجاهزة لكنها كتابة النوتة ذاتها ...ومن هذه سماته فهو الخليق بأن يكون ما ينتج هو الوقود الملائم للتقدم والتغيير والمادة الحية والدماء الدفاقة في أوردته .

ومن هنا أيضا يأتي نقدنا لمن تصدوا لدور حاملي قبس الحداثة لعالمنا من حيث كونهم ليسوا هم المؤهلين لصنع حداثة ناضجة متسقة فكانت حركتهم أشبه باستباق ساهم في أن إجهاض الحلم وصادر على المجتمع حقه في التشكل الطبيعي .

ولكون عبارة حداثة وبعد حداثة عندنا بالذات ارتبطت واشتهرت أكثر شيء في عالمنا العربي في ميادين النقد الفني والأدبي فقد يتبادر لذهن القارئ ربما – وهو معذور- أن الحداثة المنقودة والمقصودة هنا هي الحداثة الفنية أو الشعرية والأدبية .. والتفات الذهن لهذه الناحية بالذات متوقع لأن كلمة حداثة وما بعد حداثة هي من المصطلحات التي ارتبطت في الذهن العربي بالذات بهذه المجالات قصرا وتحديدا . ففي هذا الميدان أكثر من سواه سمعوا هذه الكلمة تتردد ويثار نقع حولها . بالتالي فحيثما ذكرت الكلمة قفز للذهن ذلك الميدان الذي ارتبطت به واستحضر من يلهجون بها ويدعون نسبها إليهم .

لذا يجدر بالتنويه هنا أنه لم يكن ذكر ما عرفت بالحداثة الفنية أو الأدبية مقصودة لذاتها في هذا السياق من الحديث الذي هو ليس تقدا فنيا أدبيا أصلا ولا هو مخصص لذلك ، لكن لأنه لا يمكن لمن ينبري لنقد سياقات العقل العربي ويحاول تهيئة التربة الصالحة للحرية والوعي إلا أن يمر بنقد تلك السياقات التي مارست عملية السلق والابتسار إياها .. لكنه في سياق نقد سياسي اجتماعي لدورها السالب ضمن وهم حداثات أخرى غيرها كانت زائفة ومضللة بدورها ولم تترك أية رسالة أو تأثير على واقع الحياة بقدر ما كانت هي حداثة أصحابها وحدهم وموضتهم الخاصة بهم والزي الذي لم تشترك معهم الجماهير في لبسه.. بل والذي تباهت وتعالت على الجماهير به .. ما عدا ذلك فإن هذا الحديث غير مخصص لنقدها أو أنه مقصور عليها.

*حداثة وبعران..
---------------
وفي حين لم تكن مثل تلك الحداثة – إن كان يصح توصيفها بالحداثة أصلا – منهجا فكريا متكاملا وتيارا من الوعي أثر في الواقع وانعكس عليه أو تأثر به وانعكس عنه . . فإن خطيئتها الكبرى التي تضاف لكونها وهم حداثة واستباق صادر على حق المجتمع في المرور بأطوار التشكل الحقيقي وامتلاك حداثته الحقيقية – كانت هي تعاليها على الواقع وتسفيهها للآخر بما يشبه في تأثيره نفس تأثير الاستبداد والقمع الفكري .. فكانت هي أشبه بالطريقة وحلقة الذكر التي لا يدخلها غير المريدين.

فنحن الأمة الوحيدة التي اكتفت من الحرية بتحرير القصائد والقطيعة مع الجذور بينما تركت العقل يرسف في قيود التخلف ...وتركت الإنسان يرسف في قيود الاستبداد.. بل أكثر من هذا سخرت منه وأقصته لأنه ليس من المريدين الذين بايعوا شيوخ الطريقة ..بل وأكثر من هذا وذاك أيضا كان سدنتها ونخبويوها يعقدون صفقاتهم حتى مع الاستبداد ذاته إن بصورة واعية أو غير واعية . وكان تسفيه الآخر والتعالي عليه ووصمه بالجهل والتخلف هو أحد أهم مفرزات وسمات تلك الحداثة الوهمية التي هي ذاتها تختصر التخلف كله.

وبينما كان العربي ما زال يركب البعير ويسمع بالكهرباء ولا يراها ويستضيء بقنديل الزيت ويتدفأ على الحطب ، كان بعض مروجي بضاعة الحداثة الزائفة تلك يمارسون طقوسهم الخاصة في شبه حلقة ذكر على منوال رامبو واليوت وسواهم ... وكأنهم يعيشون في مكان آخر ولا يشاهدون يوميا نماذج لراكب الحمار والمستضيء بقنديل الزيت ..بل ويمارسون التعالي والفوقية عليهم ..وبينما كان إليوت يكتب عن واقع يعيشه هو كان حداثيو العرب يتوهمون ويهومون ويسبحون في السراب السرمدي.. ويكتبون على المنوال ذاته دون أن يمروا وتمر أمتهم لا بثورة صناعية ولا فكرية ولا بحربين عالميتين مع كل ما أدت له من تحولات جعلت من تحولات الفكر والفن أمرا شرعيا مقبولا ومفهوما ..وقفزا من على ارض صلبة لا وثبة في فراغ. فكانت أشبه ببذور مهملة حملتها الريح من شتى الحقول لتصنع منها أشتات نبت وأشباه حقول مبعثرة لكن متشابهة بحيث أن كمشة من أي موضع منها تغني عن سواها.

إن هذا الحديث يرينا كيف كان أصحاب حداثة الفن والأدب هم بدورهم ممن باعوا الناس وهم حداثة .. واستبقوا الأمور وصادروا حق الناس في أن تكون لهم حداثتهم الحقيقية فكانوا بذلك أشبه بروافد وأذرع للتخلف والاستبداد من حيث يدرون ولا يدرون . ليس هذا وحسب .. بل واتهموا الناس بعدم الفهم وتعالوا عليهم وجعلوا من أنفسهم نخبة كان لها نفس سلوك النخب الأخرى التي هي بدورها تمارس الاستبداد الفوقي ..إن كان استبداد وتعاليا لغويا أو سياسيا أو ثقافيا أو نصيا ...الخ.

وبينما كنا بحاجة لحداثة في الوعي وحداثة في التفكير والمنهج تنتج عنها كافة أشكال الحداثات الأخرى ومن ضمنها الأدبية والفنية .. فإن ما حصل هو أننا قفزنا إلى نتائج النتائج دون أن نمتلك المقدمات التي تحملنا إليها وتجعلها ثمرة طبيعية ناضجة في سياقها الطبيعي . سيما أنها مقدمات ضرورية جدا كالنتائج وليست مجرد وسائل وأدوات إذا توصلنا للنتائج بدونها يمكن الاستغناء عنها .. فهي الأدوات والآليات التي نحتاجها باستمرار والتي لا بد من امتلاكها لإعادة الإنتاج المستمرة ولنتحكم في ما ننتجه من حداثة ونعيد تشكيله وتعديله كل مرة وفقا لما تقتضيه الضرورة والحال وما يحمل مجتمعاتنا برفق وتؤدة ويضعها على الطريق الصائب في شبه مراجعة دائمة للمقدمات وفقا للنتائج وللنتائج وفقا للمقدمات وباستمرار تبعا للمرحلة والمحطة التي يصلها قطار الحداثة ..لكن هذا لم يحصل لدينا أبدا.

إن من تصدوا للنقل عن الحداثة الغربية وتنطحوا لدور السفراء لها عدا عن كونهم ليسوا هم المؤهلين لهذا الدور فقد أخطأوا الطريق الصحيح إليها فذهبوا لرافد بعيد من الروافد يغرفون منه في حين لم يكن هو نبعها الصافي ولا موردها العذب .. فالحداثة الغربية قلنا لم تكن يوما مذهبا في الفن أو الأدب ..بل هي بل هي خلاصة مذاهب فكرية فلسفية ونظريات علمية مع تطبيقاتها التقنية كانت لها أولا تجلياتها في الحياة ذاتها بسياقاتها المختلفة .. فكان من الطبيعي أن تنعكس في الـأدب كأحد تجلياتها وكسياق من السياقات التي انعكس عليه تأثيرها .. وحينما يتغير نهر الحياة ذاته فطبيعي أن ينعكس هذا التغير في شكل النبات وطعمه ولونه ومن ضمنه الأدب والفن .. بينما لدينا حدث العكس. . وكمن يريد أن يتخذ الرافد منطلقا لتغيير النهر وهذا غير ممكن .. ومن كانوا من الفئات التي يفترض أنها منفعلة بالحداثة متأثرة بنتائجها ومستهلكة لها في بلاد الحداثة الحقيقية هم الذين تأولوها وبشروا بها وتنطحوا لادعاء صنعها وهذا أيضا غير ممكن فكانت هذه هي النتيجة.


http://blacksteed.jeeran.com/reform/
jeaad@yahoo.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :