facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





أركون .. سوسيولوجيا الفشل وفشل الوساطة بين الشرق والغرب


د.مهند مبيضين
20-09-2010 03:16 PM

عبر تجربة تجاوزت العقود الأربعة حمل محمد أركون في جهوده المعرفية هماً معرفيا صرفاً، كان هاجسه إشاعة روح النقد العلمي المعرفي للفكر الإسلامي في محاولة منه لفرض منهج نقدي يستند إلى المعرفة الخالصة وتنصيب العقل بعيدا عن الروح الشعبوية التي تغلف أحيانا جهود الباحثين في الفكر الإسلامي.

برر أركون بحثه عن مسارات ومصائر الفكر الإسلامي في مقدمته لكتابه الذي حمل عنوان ''من فيصل التفرقة إلى فصل المقال .. أين هو الفكر الإسلامي المعاصر'' (دار الساقي 1993)، كما انتقد في مقدمته تجاهل الباحثين جهوده وتنصيب بعضهم للدفاع عن الفكر الإسلامي دون وعي علمي لجهوده، في محاولة منهم لإجهاض صوت العقل وهذا الإقصاء في رأيه لأفكاره وأفكار غيره من المتنورين هو الذي أطاح بمشروع ابن رشد وأمثاله، وفي هذه الحالة يرى أركون أن مذهب الفشل انتصر على مذهب التجديد.

يقول أركون في كتابه المشار إليه أعلاه: ''أرجو من القارئ أن يتعامل معي ولو للحظة قصيرة وضع الباحث الذي يحرص على تجديد الفكر الإسلامي وإثراء اللغة العربية بمعجم علمي حديث، ويجتهد حتى يصبح ما لم يكن ممكنا التفكير فيه مفكراً فيه ومفهوما وملموسا، وعندما يتفرغ الباحث لهذا العمل بنية خالصة وتحمس لدعوة فكرية ثقافية إذ به يجد أن عددا من زملائه المثقفين يتجاهلون ما يصدر وينشر ويضربون صفحا عما قرأوا أو قرروا ألا يقرأوا، ولا يشيرون مرة واحدة لا بالقبول ولا بالرفض إلى اجتهاد يستحق الذكر أو التأييد، وإذا بفريق ثان من العلماء المرموقين يثورون ويهاجمون ويفترون كذبا ويحملون الكاتب ما لم يخطر بباله مرة واحدة وما لم يقصده ألبتة، ويرددون ذلك في المجلات والجرائد المغذية للمخيال الشعبوي، حتى إذا طغى ذاك المخيال واكتسب قوة سياسية ينقلب المغذون والمؤيدون له إلى أعدائه ومشرديه ومبطليه، وإذا بطائفة ثالثة تشكو من صعوبة المعجم وتعقد التركيب وغربية النزعة وثقل أسلوب الترجمة .. هكذا يتلقى المجتمع العربي المعاصر جهود أبنائه الذين لا يستطيعون أن يتحملوا تأثير العوامل السلبية فيه وانتشار الجهل وعدم التسامح, وهكذا تتجدد سوسيولوجية الفشل التي همشت ابن رشد وأمثاله وأزالت نفوذهم الفكري والثقافي وقضت عليه''. (أركون، أين هو الفكر الإسلامي: ص ـــ 13).

النص السابق لمحمد أركون يوضح مدى ثقل الاغتراب الذي تلقاه الباحث في الثقافة العربية، وهي ثقافة وصل بها الأمر حدّ الإدانة لأعمال الرجل الذي ظل مصرا على مواقفه ولم يبدل فيها أو يغيرها أو حتى يقبل بمراجعتها، وهو في ذلك الموقف وفي غيره من مواقفه المعرفية ظل يرسم جهدا متميزا في البحث المعرفي العربي، وهو جهد قوامه إحداث مقاربات معرفية وتأويلية وبحث جراحي في تلافيف العقل الثقافي العربي ونقد العقل الإسلامي.

وميزة أركون في معرفته التي قدمها لا تكمن في مجرد الذهاب إلى المناطق الشائكة، أو المحرمة بل في رأي جيرار ليكريك في كون أركون ''ليس مجرد واحد من المستشرقين العرب الذين يعيشون في الغرب، الذين استخدموا أساليب تقنية ومعرفية ترتبط بالعلوم الإنسانية، بل في حرص الرجل على تقديمه لنفسه في عالم الغرب المعرفي على أنه مثقف مسلم من أصل بربري ''أراد أن يكون إصلاحيا مبشرا بالإصلاح, أي منخرطا في حركة التطور التاريخي''.

طروحات لكيرك عن أركون كانت في كتابه ''العولمة الثقافية .. الحضارات على المحك'' كانت ضمن محاولة جادة من ليكرك لجهود منافسين أو مشاركين لأركون في الهم الثقافي العربي العام ومنهم عبد الله العروي وإدوارد سعيد، ويبدو جليا حرص ليكرك على تقديم طبيعة الرؤية التي رأى بها المفكرون الغربيون بعضا ممن استشرقوا في الغرب، أو من تقدموا للدراسات الإسلامية والمعرفية عن العرب بأدوات غربية.

أركون كان وفيا في مساره العلمي للمنهج الغربي، وهو تأثر مباح لا يمنع من الاعتراف بأن محمد أركون ظل واحدا من أبرز أعلام الدراسات الإسلامية القلائل في العالمين العربي والإسلامي الذين يملكون مشروعًا فكريا حقيقيا، يتجاوز إطار الجامعة والدراسات الأكاديمية، ليصبَّ في همِّ التحديث والتنوير الذي طالما شغل روَّاد النهضة العرب منذ نهاية القرن التاسع عشر.

انشغل أركون بأوجه الاختلاف بين مفهوم العقل الإسلامي عن مفهوم العقل العربي، وبين أن الأول ''يتقيد بالوحي أو المعطى المنزل، ويقر بأن المعطى هو الأول لأنه إلهي، وأن دور العقل ينحصر في خدمة الوحي, أي فهم وتفهيم ما ورد فيه من أحكام وتعاليم وإرشاد''.

أما العقل العربي ـــ في رأي أركون ــــ فهو ''الذي يعبر باللغة العربية أيا تكون نوعية المعطى الفكري الخارج عنه الذي يتقيد به، وهكذا نجد المسيحيين واليهود ينتجون علومهم الدينية باللغة العربية، كما نعرف اليوم شعراء وكتابا مغاربيين سيؤلفون بتأريخ القوم أو الجماعة أو الأمة الناطقين بها، لكن التعامل بين العقل واللغة أوسع وأعمق وأكثر مرونة وتعددا وإنتاجا من العلاقات بين قوم محدودين ولغة''.

أركون كان قد كشف عدم ميله إلى مصطلح محمد عابد الجابري للعقل العربي، فقال: ''ويصعب علي قبول ما أورده عابد الجابري لتبرير اختياره مفهوم العقل العربي, ومن المعروف أنه لم يتحرر في شروحه وتأويلاته من تلبسات الذهنوية والقومية والعنصرية''.

رفض أركون مقاربة الجابري للعقل العربي كما هو واضح في الاقتباس السابق، ومال إلى أن القرن الرابع الهجري في زمن بني بويه كان يشهد حراكا معرفيا وثقافيا يسهم فيه الفارسي والهندي واليهودي والمسيحي والعربي والمسلم، واعتبر أركون أن التعايش الثقافي المتعدد أوجد ما يسمى ''الإنسية'' العربية في القرن الرابع الهجري. والحركة الإنسية حركة ثقافية واسعة شهدتها أوروبا في القرن الـ 15, وكانت قد استهدفت التخلص من قيود الفكر الفيودالي والكنيسة الكاثوليكية واعتمدت الحركة الإنسية على الفرد باعتباره محور الفكر الإنساني, كما اهتم الإنسـيون بإحياء التراث الفكري القديم عبر ترجمة الكتب اللاتينية والإغريقية, كما دافعوا عن الحرية وقيم التحرر من قيود الكنيسة.

ترتكز عملية النقد عند أركون على علاقة العقل بالمعطى المنزل، وعبر أربعة عقود من البحث والتدريس في جامعة السوربون، أنجز أركون عددًا كبيرًا من البحوث والمؤلَّفات حول الفكر الإسلامي والظاهرة الدينية، جاءت في معظمها باللغة الفرنسية، وترجَمَها إلى العربية هاشم صالح وهو يصف جهود مترجمه وتلميذه بقوله:

''أود هنا أن أنتهز الفرصة لأزيل بقدر الممكن سوء التفاهمات حول مشروع نقد العقل الإسلامي كما يتلمسه القارئ، لقد ساعد رفيقي في الاجتهاد والصبر الجميل هاشم صالح على تقديم المفهوم والمشروع بشروحه الملحة لكثير من المصطلحات التي فرضتها على المعجم العربي الحديث''.

في مجمل الجهود المعرفية كان أركون يرى أن المجتمع يتبع الخطابات التي يحتاج إليها أو التي تعبر عن بنيته العميقة بكل تلويناتها وتعدديتها. وإذا لم يستطع المجتمع أن يتكلم بشكل طبيعي ومن خلال القنوات الملائمة فإنه ينفجر.

سُكن مشروع محمد أركون الفكري، منذ البداية، بهاجس الأنْسَنَة في السياق العربي الإسلامي، وبهاجس الرغبة في الحدّ من القطيعة مع الخطابات الأيديولوجية الموجَّهة إلى الخيال الاجتماعي. وظل يعمل بجهد دؤوب على فهم ''الظاهرة الدينية'' وفق منهج التاريخ المقارن للأديان، وعلى إنتاج تاريخنا الخاص بعمل الذات على الذات، وبتحقيق قراءة نقدية للتاريخ الذي ينتجه الآخرون لنا.

أنجز أركون عديدا من الدراسات والبحوث وعديدا من الكتب، وأكثرها تداولا بين القراء ''أين هو الفكر الإسلامي المعاصر'' و''الإسلام والفكر الأصولي واستحالة التأصيل'' و''نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي''، و''الفكر الإسلامي نقد واجتهاد'' و''الفكر العربي وتاريخية الفكر العربي الإسلامي'' وقضايا في نقد العقل الديني .. كيف نفهم الإسلام اليوم'' و''من الاجتهاد إلي نقد العقل الإسلامي'', وغيرها.

رغم الانتقادات الواسعة التي استقبلت جهود أركون المعرفية إلا أنه كان رجلا رصينا وصارما في تعامله مع نتائج البحوث التي يصل إليها، فلا يقدم تنازلات حيال أفكاره ولا يميل إلى المراجعة، فهو متمسك بمشروع تفكيك التراكمات التراثية وأنسنتها في مقابل ما يثار عن الفكر العربي الإسلامي من أحادية وإلغائية للآخر، لذا نجده يرى أن بغداد مثلت في زمانها نموذجا للفكر الحر المنفتح على العالمية، ولذا فهو معارض عنيد لأطروحة صراع الحضارات.

جهود أركون المعرفية التي ظلت عرضة للنقد في الواقع الثقافي العربي والإبعاد أو الإقصاء الذي واجهته طروحاته لم يكن أمرا محدثا، بقدر ما بدأ منذ منتصف الثمانينيات يقول جورج طرابيشي في كتابه ''من النهضة إلى الردة''، (ص 133 ـــ 134): إن أركون، بعد نحو من عشرة كتب وربع قرن من النشاط الكتابي، قد فشل في المهمة الأساسية التي نذر نفسه لها ''كوسيط بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي'', فأركون لم يعجز فقط عن تغيير نظرة الغرب ''الثابتة''، ''اللا متغيرة'' إلى الإسلام، وهي نظرة ''من فوق'' و''ذات طابع احتقاري''، بل هو عجز حتى عن تغيير نظرة الغربيين إليه هو نفسه كمثقف مسلم (!) مضى إلى أبعد مدى يمكن المضي إليه بالنسبة إلى من هو في وضعه من المثقفين المسلمين في تبني المنهجية العلمية الغربية وفي تطبيقها على التراث الإسلامي.

ويقول أركون في كتابه الإسلام ـــ أوروبا ــــ الغرب: ''على الرغم من أني أحد الباحثين المسلمين المعتنقين للمنهج العلمي والنقد الراديكالي للظاهرة الدينية، إلا أنهم ـــ أي الفرنسيين ـــ يستمرون في النظر إليّ وكأني مسلم تقليدي! فالمسلم في نظرهم ـــ أي مسلم ـــ شخص مرفوض ومرمي في دائرة عقائده الغريبة ودينه الخالص وجهاده المقدس وقمعه للمرأة وجهله بحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية ومعارضته الأزلية والجوهرية للعلمنة .. هذا هو المسلم ولا يمكنه أن يكون إلا هكذا! والمثقف الموصوف بالمسلم يشار إليه دائماً بضمير الغائب: فهو الأجنبي المزعج الذي لا يمكن تمثله أو هضمه في المجتمعات الأوروبية لأنه يستعصي على كل تحديث أو حداثة''.

في 15 آذار (مارس) 1989 نشر أركون في صحيفة ''لوموند'' الفرنسية مقالة حول قضية سلمان رشدي أثارت في حينه ''لغطاً كبيراً ومناقشات حامية الوطيس''. وطورت ردود الفعل التي استتبعتها شعوراً حقيقياً بالاضطهاد لدى أركون. وعلى حد تعبيره بالذات، كانت (ردود فعل هائجة بشكل لا يكاد يصدق) سواء في الساحة الفرنسية أو الأوروبية.

تلك الحادثة كانت شديدة الإيلام لمحمد أركون إلى حد أنها حملته على الكلام عن العلاقة بين الغرب والإسلام على نحو ما يتكلم حسن حنفي مثلاً، أو حتى محمد عمارة. وعلى هذا النحو نجده يقول: ''إن مقالة ''لوموند'' كلفتني غالياً بعد نشرها. وانهالت عليّ أعنف الهجمات بسببها, ولم يفهمني الفرنسيون أبداً، أو قل الكثيرون منهم، ومن بينهم بعض زملائي المستعربين على الرغم من أنهم يعرفون جيداً كتاباتي ومواقفي. لقد أساءوا فهمي ونظروا إليّ شزراً .. ونهضوا جميعاً ضد هذا المسلم الأصولي (!) الذي يسمح لنفسه بأن يعلن أنه أستاذ في السوربون .. وفي الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي بأي شكل، راحوا يدعون للتسامح مع سلمان رشدي. وهذا موقف نفساني شبه مرض أو ردّ فعل عنيف تقفه الثقافة الفرنسية في كل مرة تجد نفسها في مواجهة أحد الأصوات المنحرفة لبعض أبناء مستعمراتها السابقة''. (الإسلام ـــ أوروبا ـــ الغرب، ص 139، 105، 106). ومع ذلك ظل أركون ينتمي إلى جيل فرنسي عالي المستوى في ثقافته وإبداعاته ومناهجه وفلسفاته، فلقد استفاد حتما من تجارب ومنجزات ميشيل فوكو وبيير بورديو وفرانسوا فوريه وغيرهم من الذين أحدثوا ثورة إبستمولوجية ومنهاجية في الفكر الحديث، فأراد أن ينحو مثلهم في دراساته وكتاباته لكن عن الفكر الإسلامي، وجعله منهجه ينفصل عن مناهج الاستشراق الكلاسيكي الذي بقي يعاني حصار الارتهان للسياسة، فهاجمها بشراسة متناهية وكل عناصرها ومن يدور في فلكها من المستشرقين الفرنسيين.

وبالنظر إلى المناخ المعرفي لأركون وبداياته نجد أن ثقافة الرجل لم تكن منفصلة عن مناهج المستشرقين الفيلولوجية (فقه اللغة) المحترفة وعلى رأسها جهود بريجيس بلاشير الذي علمه منهجية تحقيق وتدقيق النصوص ومقارنتها بعضها ببعض ودراستها تجريبيا على الطريقة التاريخية الوضعية.

منح الفرنسيون أركون طرائقيتهم في البحث، لكنه استطاع أن يخرج على الفكر والطريقة، فاستطاع أن يقدم رؤى جديدة في مقارنة الوقائعيات. وتأثيرها في مسار الفكر دون أن يتناسى أهمية السوسيولوجيا هذا إلى جانب اهتمامه بالألسنيات.

زاوج أركون بين مناهج المعرفة الغربية عن الإسلام، محاولا أن يحمل قضية التعريف بالثقافة الإسلامية من باب المدعى عليه إلى باب الرؤى المختلف عليها، فالمعرفة عنده لا تعني السلطة والسلطة ليست إلا العنف والقهر، مقتربا بذلك من فوكو.

يصعب اختزال منجز أركون المعرفي، في مساحات محدودة، غير أن الرجل استطاع أن يؤسس لفكرة جديدة في الأكاديميات الغربية عن الإسلام ومنظومته المعرفية، وهي فكرة وإن لم تغير كثيرا في الغرب إلا أنها أحدثت دويا في مكانها الأصلي, وهو الثقافة العربية.

عن الاقتصادية السعودية




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :