facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





عندما يبكي الرّجال


د. رحيّل غرايبة
17-06-2011 03:25 AM

أكثر اللحظات تأثيراً في العاطفة، وأشد المواقف هياجاً للمروءة وأقوى درجات الألم المكبوت، الذي يكاد يفجّر الدم في الشرايين، هو ذلك المنظر الذي تشاهد فيه الرجل ينفجر بكاءً مكبوتاً متقطعاً متحشرجاً يستعصي على التماسك وتكلف البصر وإظهار رباطة الجأش.

قهر الرجال لا يأتي من خلال مواجهة العدوّ، فعندما يواجه الرجل عدوّه، يتوقع كل شيء، يتوقع القتل والجرح والأسر والضرب والإهانة، فهذا لا يمكن أن يصل إلى درجة الانهيار والبكاء، ولقد رأينا كثيراً من الأبطال يتقدمون إلى حبل المشنقة بثبات ورجولة ورباطة جأش، بلا دمعة عين واحدة، وكثيرون هم الذين تسابقوا إلى الموت، وكثيرون هم الذين ضربوا مثلاً في محاولة افتداء الآخرين بالنفس، وشعارهم اجعلوا من أجسامنا جسراً للعبور.

لقد روت كتب السيرة أنّ (عكرمة بن أبي جهل) بعد أن التحق بجيش خالد بن الوليد على حدود الشام من أجل أن يقلب صفحة جديدة من البطولة بالاتجاه المعاكس، بعد أن أمضى شبابه في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد عمد إلى الوقوف في صفوف الجيش بعد أن تعرض لهجوم شديد، قائلاً:(من يبايعني على الموت)، فبايعه (600) فارس، جلّهم من بني مخزوم، كلهم استشهدوا، وكانت شهادتهم سبباً في قلب وجه المعركة. فالموت لا يخيف الأبطال ولا يقهرهم ولا يضطرهم للبكاء.

الذي يضطر الرجال للبكاء هو ما يحدث في بعض الأقطار العربية، عندما يشهر النظام كل أسلحته ويستخدم قوى الأمن والطائرات للانقضاض على الشعب الأعزل المسالم، فيقتل الأطفال، وتدفن العائلات في مقابر جماعية، ويتم دخول المساجد وتدنيسها والدّوْس على كتاب الله، وتعرية المعتقلين وإذلالهم والدّوْس على رؤوسهم، وما أصعب منظر الشيخ السبعيني وهو يبكي على عرضه المغتصب، من نظام وجد لحمايته وخدمته والدفاع عن أمنه وتوفير لقمة عيشه.

هؤلاء الذين تحولوا إلى مشردين في أوطانهم، على أيدي حكوماتهم، ومذعورين في الأرض لأنّهم أرادوا الحرية وطالبوا بالكرامة وإنهاء عصر العبودية والإقطاع والتسلط.

يبكي هذا الرجل السبعيني على أطفاله الذين تمزقت أجسادهم على أيدي أبناء جلدتهم، وكان يعدهم من أجل تحرير الأرض المغتصبة.

يبكي هذا الرجل السبعيني لأنّه انتظر (41)عاماً من أجل الإحساس بالخطوة الأولى نحو استعادة الأرض التي لم يقترب من حدودها طيرٌ ولا إنسان، وإذا بخطابات الممانعة، ومقولة التوازن الاستراتيجي، وبناء الجيوش وإنشاء المليشيات وتسليح الأجيال وإنشاء المعسكرات، وتنظيم الشباب واستيراد الأسلحة، كل ذلك لم يتم لمواجهة الطائرات الصهيونية.

يبكي هذا الرجل من شدة هول الكذب وقلب الحقائق، يبكي هذا الرجل، وهو يحس بالعجز عن المواجهة فيبكي وهو يحس بكمية الحقد المخزون في صدور حفنة من أبناء جلدته رأت فيه العدوّ المحتل، المتآمر، العميل.

يبكي الرجال عندما يرون خذلان الصديق، وجلد الفاجر، وعجز التقيّ، وبلادة الأخوّة، وانقلاب الموازين.

rohileghrb@yahoo.com

(الرأي)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :