facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





وطن «الرمّان» ..


احمد حسن الزعبي
22-09-2011 04:28 AM

لم أكن أعرف اسماء الفصول بعد ،لكنّي كنت أعرف قوامها الممشوق فوق حلمي الطفولي .. ففي الخريف مثلاً لم يكن يشغلني ،سوى مراقبة اسراب «ابو سعد»المهاجرة جنوباً..أجلس على درجة بيتنا الطيني وارفع رأسي عالياً عالياً اتابع بدهشة كيف ترسم تلك الكائنات السماوية دوائر محكمة في الهواء ، كيف لا تصطدم،كيف لا تدوخ، كيف لا تهبط،كيف لا تتوه..تدغدغ زرقة السماء عيني..فأدمع رغماً عني..ثم اضع كفي فوق جفني واتابعها من جديد...ترى هل تراني؟..هل ترى كاس الألمنيوم المعلّقة في يد خابيتنا؟...انتصب على ساقي قليلاً وارفع عالياً «لفيفة» السكّر في محاولة لأغراء غيمة الريش المتكّبرة للهبوط وتذوق حلاوة اصابعي..لكنها لا تأبه بي ،تظل دقائق تمارس الحوم الشاهق والصامت ثم تجتاز بيتنا الصغير دون اكتراث..

أُحبط من جديد فأنا انتظرها منذ عام ويزيد ،اطأطيء رأسي امسح عينيَّ الدامعتين بزرقة السماء الشاغرة ، اتبرّع بسندويشة «السكّر» لسرب نمل قريب يشبه سرب «ابو سعد» لكنه اكثر تواضعاً..ثم امضي بطريقي الى «الرمّانة» الغربية..كان يواسيني قليلاً الندى المتجمع على الصخرة الملساء والواقعة بين مثلث الظلال؛ رمانة وزيتونة ودالية..كنت اغمس بناني بثقوب الصخرة الممتلئة ماءً شفافة ثم ارسم طيراً شاهقاً هاجر جنوباً للتو..امدّ ذراعي النحيل بين اغصان الرمانة الوارفة، اختار حبّة نحاسية كبيرة..افلقها على نتوء قريب..ثم ابدأ بتسبيح حباتها في يدي الصغيرتين..آكل بنهم تلك الحبات الباردة المحشوة ماء حلواً..ازيل الغشاء الاصفر بين طبقات الحب المرصوص..ثم انبش جدار الياقوت الشهي ..كانت تشاركني ديوك صغيرة متعة التقاط الحب الواقع في حوض الدالية ..كنت أتقاسم وتلك الكائنات السرقات والوقت.. احد لا يعرف مكاني او مكانها، وأحد لا يعرف موعدي اليومي مع وطن الرمان المحشو سكّاناً ومحبة...

تغير كل شيء ، ألان أعرف اسماء الفصول جيدا،لكني لا المح قوامها..ونادراً ما ارفع رأسي نحو السماء، وان فعلت ،اجدها شاغرة باهتة ،حتى «ابو سعد» صار يحجز على «الفيرست كلاس» من بلاده..وسرب النمل اصيب بالسكري وصار يتعاطى»جلوكوفاج»..لا ندى على الصخرة، ولا انا..حتى الرمان صار يأتيني مفروطاً بصحن زجاجي تعلوه «ملعقة» فوق طاولة مكتبي..

تغير كل شيء ،فلا تسبيح بيدي الصغيرتين، ولا ماء حلوا ولا سرقات ولا جدار ياقوت.. حتى الديوك الصغيرة لم اعد اراها ...لا شيء في حينا سوى دجاجات «وحدانيات» .. وأرامل.

ahmedalzoubi@hotmail.com

(الرأي)




  • 1 .. 22-09-2011 | 05:53 AM

    هي ....

  • 2 عاشق الرمان 22-09-2011 | 10:17 AM

    كم انت رائع يا استاذ احمد , فعلا ذكرتنا بالزمن الجميل

  • 3 احمد الداود 22-09-2011 | 12:13 PM

    يا صديقي
    انت دائما تذكر القراء بالزمن الغابر ... زمن الحرمان والجوع بكل ما كان يحمله في طياته من صفاء النفس وحسن السريرة والبساطة والصدق ...الى آخره من القيم النبيله التي نفتقدها ألآن
    ولكن هل كنت أنت وأولئك الناس من كانو يعيشون على شاكلتك وفي مثل ظروفك هل كانوا فعلا سعداء أم راضون بواقعهم وكانوا بلا أمل أو طموحات بورجوازية أو أحلام ورديه وقانعون بما لديهم ؟

    إنني أشك في ذلك ، فواقع النفس البشرية مختلف عما تصف ولكن لكل شئ ثمن ،فالمواطن ألآن يدفع ثمنا غاليا لرفاهيته الزائفة التي لاتزيده الا تعاسة وملل وكآبة
    فلنطوي صفحات الماضي الجميل على حد تعبيرك وننظر بواقعية الى حاضرنا ونترك المستقبل ......

  • 4 مروان محمد الفايز 22-09-2011 | 12:50 PM

    كنت أطمع في سماع بقية من كلام تتناول به ربيع البلاد وشتائها وصيفها.

  • 5 راغب صالح 22-09-2011 | 04:57 PM

    انت دائما رائع يااستاذ

  • 6 Zeina Al-Hyari 22-09-2011 | 10:39 PM

    أكثر من رائع

  • 7 محمود خيرو الشهابات - ابو ظبي 22-09-2011 | 11:54 PM

    الاخ كاتب المقال مقالاتك جميلةو اكثر من رائعه. وتثير شجوني وتسبب لي الحنق على ذكريات الزمن الغابر الذي لم ولن يعود. نسأل الله حسن الخاتمه.


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :