facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قرار أممي يعزز العدالة المناخية ومسؤولية الدول


د.علي سليم الحموري
22-05-2026 09:55 AM

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 20 أيار 2026، قرارًا تاريخيًا يؤيد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول المتعلقة بتغير المناخ، في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في مسار القانون الدولي البيئي والعدالة المناخية، رغم محاولات بعض الدول المنتجة للوقود الأحفوري عرقلة القرار أو الحد من أثره السياسي والقانوني.

وقد أُقر القرار بأغلبية واسعة بلغت 141 صوتًا مؤيدًا، مقابل 8 أصوات معارضة، وامتناع 28 دولة عن التصويت، وهو ما يعكس اتساع التأييد الدولي لفكرة أن أزمة المناخ لم تعد شأنًا بيئيًا أو سياسيًا فقط، بل قضية قانونية وحقوقية وتنموية تمس مستقبل المجتمع الدولي.

ويكتسب القرار أهميته من كونه يؤكد أن مواجهة أزمة المناخ لم تعد مجرد خيار سياسي أو التزام أخلاقي عام، بل أصبحت واجبًا قانونيًا دوليًا يرتبط بمسؤولية الدول عن حماية البيئة والشعوب من الأضرار المناخية المتفاقمة. كما يعزز فكرة أن تقاعس الدول عن الحد من الانبعاثات أو حماية المناخ قد يشكل إخلالًا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي.

ويأتي القرار متابعةً للرأي الاستشاري التاريخي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في تموز 2025، والذي أكد أن الدول ملزمة بحماية البيئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وبالعمل وفق مبدأ العناية الواجبة، وبالتعاون بحسن نية للحد من آثار تغير المناخ. كما أوضحت المحكمة أن إخلال الدول بهذه الالتزامات قد يرتب مسؤولية قانونية، بما في ذلك وقف السلوك المخالف، وتقديم ضمانات بعدم تكراره، والتعويض الكامل بحسب ظروف كل حالة.

ومن المهم التمييز بين الرأي الاستشاري وقرار الجمعية العامة. فالرأي الاستشاري، رغم أنه غير ملزم بالمعنى التقليدي، يتمتع بسلطة قانونية وأخلاقية كبيرة في تفسير قواعد القانون الدولي. أما قرار الجمعية العامة، فهو لا يحول الرأي إلى حكم ملزم بذاته، لكنه يمنحه دعمًا سياسيًا دوليًا واسعًا، ويعزز إمكانية استخدامه في المحاججة القانونية والدبلوماسية، خاصة في قضايا التقاضي المناخي والمسؤولية الدولية.

ويدعو القرار الدول إلى اتخاذ جميع الخطوات الممكنة لتجنب إحداث أضرار جسيمة بالمناخ والبيئة، بما في ذلك الانبعاثات الصادرة داخل حدودها الوطنية، والوفاء بالتعهدات المناخية القائمة بموجب اتفاق باريس. كما يحث الحكومات على تنسيق جهودها للتصدي لتغير المناخ عالميًا، وضمان أن تراعي السياسات المناخية حماية الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والصحة، ومستوى معيشي لائق، وبيئة آمنة وصحية ومستدامة.

وتكمن القيمة الأعمق لهذا القرار في أنه ينقل النقاش المناخي من دائرة التعهدات السياسية العامة إلى دائرة الالتزامات القانونية القابلة للاحتجاج بها. فالدولة التي تتقاعس عن خفض الانبعاثات، أو تفشل في حماية سكانها من آثار التغير المناخي، قد لا تواجه نقدًا سياسيًا فقط، بل قد تجد نفسها أمام مساءلة قانونية متزايدة أمام المحاكم الوطنية والإقليمية والدولية، خصوصًا مع تصاعد موجة التقاضي المناخي عالميًا.

ومن منظور العدالة المناخية، يحمل القرار رسالة واضحة مفادها أن الدول والمجتمعات الأقل تسببًا في الأزمة المناخية، ولا سيما الدول الجزرية الصغيرة والدول النامية، لا يجوز أن تتحمل وحدها كلفة أضرار لم تكن السبب الرئيس فيها. فالعدالة المناخية تقتضي تمويلًا عادلًا، ونقلًا للتكنولوجيا، وبناءً للقدرات، ودعمًا للتكيف، وتعاملًا جادًا مع الخسائر والأضرار.

وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الطريق نحو العدالة المناخية يمر عبر انتقال سريع وعادل ومنصف بعيدًا عن الوقود الأحفوري ونحو الطاقة المتجددة. ويعكس هذا التصريح جوهر التحول المطلوب عالميًا، إذ لم يعد النقاش يدور فقط حول خفض الانبعاثات، بل حول كيفية تحقيق انتقال عادل لا يترك الدول النامية والفئات الهشة خلف الركب، ويحافظ في الوقت ذاته على هدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية.

وبالنسبة للدول العربية، ومنها الأردن، يكتسب القرار أهمية خاصة في ضوء هشاشة المنطقة أمام آثار تغير المناخ، ولا سيما في ملفات شح المياه، والجفاف، والأمن الغذائي، وارتفاع كلفة الطاقة، وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية. ويمكن لهذا القرار أن يدعم الموقف القانوني والدبلوماسي للدول المتضررة في المطالبة بتمويل مناخي عادل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرات الوطنية على التكيف، وربط الالتزامات المناخية بمبادئ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة لكن المتباينة.

وفي الحالة الأردنية تحديدًا، يمكن قراءة القرار في سياق التحديات المرتبطة بالأمن المائي والطاقة والتحول الأخضر. فالأردن من الدول محدودة المساهمة في الانبعاثات العالمية، لكنه من أكثر الدول تأثرًا بندرة المياه وتداعيات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. ومن ثم، فإن القرار يوفر أرضية قانونية وسياسية لتعزيز المطالبة بالدعم الدولي العادل، وتطوير التشريعات والسياسات الوطنية بما ينسجم مع الالتزامات الدولية في مجالات المناخ والبيئة وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

وفي المحصلة، يمثل اعتماد الجمعية العامة لهذا القرار محطة مهمة في تطور النظام القانوني الدولي المتعلق بالمناخ. فهو لا يكتفي بتأكيد خطورة الأزمة المناخية، بل يربطها مباشرة بمسؤولية الدول، وسيادة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والعدالة المناخية. كما يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن حماية المناخ لم تعد مسألة اختيارية، بل التزام قانوني وأخلاقي وإنساني تجاه الأجيال الحالية والمستقبلية.

وفي المحصلة، يمثل القرار تحولًا مهمًا في القانون الدولي البيئي، إذ ينقل ملف المناخ من دائرة التعهدات السياسية إلى دائرة الالتزامات القانونية والمسؤولية الدولية. فالعدالة المناخية لم تعد شعارًا سياسيًا، بل أصبحت لغة قانونية تتقدم بثبات داخل النظام الدولي.








  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :