في رثاء الفقية الدستوري الأستاذ الدكتور محمد سليم الغزو
23-05-2026 01:35 PM
عمون - كتب أ. د. مازن الغزو في رثاء الفقية الدستوري الأستاذ الدكتور محمد سليم الغزو:
بقلوبٍ يعتصرها الحزن، وبإيمانٍ راسخ بقضاء الله وقدره، نودّع اليوم قامةً وطنيةً وعلميةً كبيرة، وواحداً من رجالات الأردن الأوفياء، الأستاذ الدكتور محمد سليم الغزو “أبو عمر”، عميد عشيرة الغزو، وأحد وجوه عجلون المضيئة، الذين شكّلوا بحضورهم وسيرتهم جزءاً من ذاكرة الوطن وهيبته.
رحل أبو عمر، لكن الرجال الكبار لا يرحلون حقاً، لأن أثرهم يبقى حيّاً في الناس والوطن والمؤسسات. نودّعه اليوم بكلماتٍ يثقلها الوجع، بعدما كان صوتاً للحكمة، ووجهاً للهيبة والاتزان، وسنداً لكل من عرفه واقترب من أخلاقه ومواقفه. فقد كان رحمه الله صاحب سيرةٍ ناصعة، جمع فيها بين الحكمة والهيبة والعلم والانتماء، فكان شيخاً في الموقف، وأستاذاً في الفكر، ومرجعاً في القانون، ورجلاً حمل الأردن في قلبه وعقله طوال عمره.
وأشعر اليوم، وأنا الأستاذ الدكتور الذي يشق طريقه في ميادين الجامعة والعلم، أن عليّ واجباً أخلاقياً وإنسانياً في رثاء هذا الرجل الكبير ووداعه، لأننا كبرنا على اسمه، وعلى حضوره، وعلى إلهامه في ميادين العلم والقانون. لقد كان أبو عمر بالنسبة لجيلنا صورةً للعالِم الذي جمع بين المكانة العلمية والهيبة الأخلاقية والانتماء الوطني، فكنّا نرى فيه نموذجاً يُحتذى، وقيمةً أكاديميةً ووطنيةً نفتخر بها.
لقد كان الفقيد من أوائل الحاصلين على درجة الدكتوراه في القانون الدستوري، ومن المؤسسين الأوائل لكلية الحقوق في الجامعة الأردنية، فأسهم في بناء صرحٍ أكاديمي وقانوني خرّج أجيالاً من القضاة والمحامين ورجالات الدولة، الذين تتلمذوا على يديه ونهلوا من علمه وفكره وأخلاقه.
وشغل رحمه الله منصب عميد كلية الحقوق في الجامعة الأردنية لعقود، فكان مدرسةً في الإدارة والعلم والاتزان، كما تولّى عضوية المحكمة الدستورية، وعمادة كلية الحقوق في جامعة العلوم التطبيقية وجامعة عمان العربية، تاركاً إرثاً علمياً ووطنياً كبيراً سيبقى شاهداً على إخلاصه وعطائه.
ولم يكن الراحل الكبير مجرد أكاديمي أو قانوني، بل كان من رجالات عجلون والوطن المعروفين بالحكمة والإصلاح والكلمة الصادقة، حاضراً في المواقف الوطنية والاجتماعية، وصاحب مكانةٍ رفيعة في قلوب الناس، لما عُرف عنه من كرم الخلق، ونبل الصفات، والوفاء، والاتزان.
أيها الراحل الكبير، يا أبا عمر، نم قرير العين، فقد تركت خلفك سيرةً ترفع الرأس، وذكراً طيباً لن يغيب، ومحبةً صادقةً في قلوب أهلك وطلبتك ومحبيك وكل من عرفك. سيبقى اسمك حاضراً في عجلون، وفي الجامعة، وفي ذاكرة الوطن، كما يبقى الرجال الذين صنعوا أثراً لا يُنسى.
إن رحيل الأستاذ الدكتور محمد سليم الغزو ليس خسارةً لعائلته وعشيرته فحسب، بل خسارة لعجلون وللأردن بأكمله، الذي يفقد اليوم واحداً من رجاله الكبار، الذين خدموا الدولة بعلمهم ومواقفهم وسيرتهم المشرفة.
رحم الله الفقيد الكبير رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من علمٍ وعطاءٍ وخدمةٍ للوطن في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه وطلبته الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون