facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مستقبل المهن الطبية في زمن الذكاء الاصطناعي


عبدالله ابوعلي
23-05-2026 01:53 PM

كان الدكتور يجلس أمام شاشته في الثانية صباحاً، عيناه تتنقلان بين مئات الصور الشعاعية يبحث عن ورم لا يكبر من الصخب بل يختبئ في تفاصيل دقيقة لا يراها إلا من أمضى عشرين عاماً يتعلّم في اللحظة ذاتها وعلى بُعد آلاف الأميال كان نظام ذكاء اصطناعي يفحص مليون صورة مماثلة في ثوانٍ ، هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي هذا ما يجري اليوم.

1-الثورة التي لا تطرق الباب :

لم يأتِ الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الطبي ليطرق الباب بأدب ويستأذن ، جاء هادئاً وهادماً في آنٍ واحد يتسلّل عبر خوارزميات التشخيص وأنظمة إدارة المستشفيات وروبوتات الجراحة وتطبيقات الرعاية عن بُعد وبينما يتجادل الأطباء والباحثون حول ما إذا كانت هذه التقنية "مساعِدة" أم "منافِسة" تمضي هي في عملها دون أن تعبأ بالنقاش.

أنظمة مثل IBM Watson و Google DeepMind باتت قادرة على تشخيص سرطان الشبكية وأنواع من سرطان الجلد بدقة تتجاوز أحياناً دقة الأطباء المتخصصين وفي مجال التصوير الطبي أثبتت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قدرتها على رصد الكسور الخفية وتحديد الأورام المبكرة وتحليل مخططات القلب بسرعة تجعل الزمن الطبي يُعاد تعريفه من جديد.
لكن هل يعني ذلك نهاية الطبيب؟

2-ما تفعله الآلة وما لا تستطيع :

الذكاء الاصطناعي يتفوق على الإنسان في مهام بعينها : التكرار بلا ملل والدقة بلا تعب والسرعة بلا حدود.
يستطيع تحليل ملفات ملايين المرضى واستخلاص أنماط لا يلحظها عقل بشري وتحديث معرفته بكل دراسة جديدة تُنشر في العالم ، كل ذلك في وقت قياسي.

غير أن ثمة شيئاً ظل حتى الآن خارج نطاق قدرته وهو الحضور الإنساني.

حين يجلس طبيب أمام مريض تلقّى للتو خبراً صعباً لا تكفي البيانات، يحتاج المريض أن يرى عيناً تفهم ويداً تمتد وصوتاً يقول : سنواجه هذا معاً ، الآلة تشخّص المرض لكن الطبيب يعالج الإنسان.

كذلك الأمر في الحالات المعقدة التي تشابكت فيها عوامل نفسية واجتماعية وبيئية تلك الحالات التي يصفها الأطباء بأنها تتحدث إليك لا خوارزمية تُجيد الاستماع للمعنى الحقيقي للكلمة.

3-المهن الطبية أمام مفترق الطرق :

المتأمّل في خارطة المهن الطبية اليوم يلحظ أن الذكاء الاصطناعي لا يضرب عشوائياً بل يستهدف المهام الروتينية والمتكررة أولاً :

- أخصائيو الأشعة : باتوا يشعرون بأكبر قدر من الضغط، إذ الذكاء الاصطناعي يتفوق في تحليل الصور بسرعة مذهلة.
- الصيادلة : جزء كبير من عملهم في التحقق من التفاعلات الدوائية وصرف الوصفات بات آلياً.
- الأطباء العامون : تطبيقات التشخيص الأولي تمتص شريحة من المرضى قبل وصولهم للعيادة.

في المقابل، تبدو بعض التخصصات أكثر صموداً : الطب النفسي والجراحة المعقدة والطب التلطيفي وطب الطوارئ وكل ما يتطلب حكماً أخلاقياً آنياً وتعاطفاً حقيقياً.

4-سؤال الأخلاق قبل سؤال الكفاءة :

ثمة سؤال أعمق يغفل عنه كثيرون في خضمّ الانبهار التكنولوجي : من يتحمل المسؤولية حين تُخطئ الآلة؟

إذا شخّص نظام ذكاء اصطناعي حالة خطأً فأُسيئت معالجتها فمن يُحاسَب؟ المبرمج؟ الشركة؟ الطبيب الذي وثق به؟ هذه ليست أسئلة فلسفية ترفاً فكرياً!
إنها أسئلة تُحدد مصير ملايين المرضى وتُعيد رسم حدود المسؤولية الطبية.

والأخطر من ذلك : الانحياز في بيانات الذكاء الاصطناعي يتعلم مما يُعطاه فإن كانت بيانات تدريبه تعكس تحيزات مجتمعية قائمة فسيُنتج تشخيصات متحيزة للرجال و النساء وأقليات ومجتمعات فقيرة ، هؤلاء دفعوا حياتهم ثمن التحيز الطبي والتقنية وحدها لا تمحو هذا الإرث.


5-الطبيب الجديد شريك لا خصم :

الرؤية الأكثر نضجاً لمستقبل الطب لا تقول : الذكاء الاصطناعي سيحل محل الأطباء ، بل تقول : الأطباء الذين يُجيدون استخدام الذكاء الاصطناعي سيحلون محل الذين لا يُجيدونه.

هذا يعني أن المناهج الطبية أمام تحوّل حقيقي لا بد أن تُدرَّس مهارات البيانات والتحليل الرقمي إلى جانب التشريح والصيدلة، ولا بد أن يتعلم الطبيب متى يثق بالخوارزمية ومتى يشك فيها.
الطبيب الجديد ليس من يحفظ ويفهم أكثر الآلة تحفظ أكثر منه بكثير، الطبيب الجديد هو من يفكر بعمق ويتعاطف بصدق ويتخذ قراراً حكيماً في لحظة لا تحتمل التردد.

6-الرهان الحقيقي :

في نهاية المطاف، الذكاء الاصطناعي في الطب ليس عدواً يُحارَب ولا منقذاً يُعبد، إنه أداة بالغة القوة حافلة بالوعود محفوفة بالمخاطر.
وكما كل أداة في تاريخ الإنسانية يتوقف أثرها على من يمسك بيدها.
الرهان الحقيقي ليس هل سينجح الذكاء الاصطناعي في الطب؟ فقد نجح بالفعل في أجزاء منه.

الرهان الحقيقي هو : هل سنبني منظومة طبية تستخدم التقنية لتعزيز الكرامة الإنسانية، لا لتُقلّص التكاليف على حساب المريض؟

تلك المعركة لم تُحسم بعد وهي في نهاية المطاف ليست معركة برمجية بل معركة قيم.

الطب في جوهره لم يكن يوماً علم البيانات
كان دائماً وسيظل فن الرعاية و الإنسانية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :