facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التطبيع بوصفه شرطاً لإتمام الإتفاقية الأمريكية الإيرانية


محمد نور الدباس
25-05-2026 09:25 PM

في محاولة منا لفهم الطرح الأمريكي بإشتراط التطبيع من قبل دول عربية وإسلامية مع دولة الاحتلال، نقول أنه لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل تُخاض أيضاً بإعادة رسم الخرائط السياسية والتحالفات الاقتصادية والأمنية، وما يجري في العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا يمكن فهمه باعتباره نزاعاً منفصلاً حول البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران، بل باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية أمريكية جديدة، يكون التطبيع مع كيان الاحتلال أحد أعمدتها الأساسية.

الولايات المتحدة لا تنظر إلى المنطقة بعين الجغرافيا فقط، بل بعين المصالح الاستراتيجية طويلة المدى، فمنذ نهاية الحرب الباردة، تحوّل الهدف الأمريكي من مجرد حماية تدفق النفط إلى منع ظهور أي قوة إقليمية قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية أو تهديد أمن كيان الاحتلال أو تعطيل شبكات النفوذ الغربية في المنطقة، ومن هنا جرى تقديم إيران باعتبارها “الخطر الأكبر” الذي يستوجب إعادة بناء التحالفات الإقليمية على أساس مواجهته.
لكن السؤال الأهم في هذا الإطار ليس لماذا تعادي واشنطن إيران؟ بل لماذا يُربط احتواء إيران دائماً بدمج كيان الاحتلال داخل المنطقة العربية والإسلامية؟ والإجابة تكمن في طبيعة المشروع الأمريكي نفسه، فواشنطن تدرك أن دولة كيان الاحتلال، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، بقيت لعقود جسماً سياسياً معزولاً عن محيطها العربي والإسلامي، ولذلك، فإن أي نظام إقليمي جديد لا بد أن يبدأ (من وجهة النظر الأمريكية) بتحويل كيان الاحتلال من “حليف محمي” إلى “شريك طبيعي” في الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا.

من هنا يصبح التطبيع أكثر من مجرد اتفاق دبلوماسي؛ إنه إعادة تعريف للعدو والصديق في الشرق الأوسط، فبدلاً من أن تبقى القضية الفلسطينية هي القضية المركزية عربياً، يُراد للمنطقة أن تنتقل إلى مرحلة يكون فيها “الخطر الإيراني” هو الأولوية، بينما تتحول دولة كيان الاحتلال إلى شريك في مواجهة هذا الخطر.

وهذا التحول لا يخدم دولة كيان الاحتلال وحدها، بل يخدم واشنطن أيضاً، فالولايات المتحدة التي أنهكتها الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، لم تعد ترغب في تحمل الكلفة الكاملة لحماية المنطقة عسكرياً، وهي تسعى إلى إنشاء تحالفات إقليمية تتولى جزءاً من هذه المهمة، بحيث يصبح الأمن الإقليمي قائماً على تعاون عربي مع دولة كيان الاحتلال تحت المظلة الأمريكية.

لكن المفارقة الكبرى أن هذا المشروع يُقدَّم باعتباره وصفة للاستقرار، بينما يقوم في جوهره على تجاوز أحد أهم أسباب عدم الاستقرار في المنطقة؛ القضية الفلسطينية، فكيف يمكن إقناع الشعوب العربية والإسلامية بأن السلام يبدأ من التطبيع، في وقت لا تزال فيه الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال، ولا يزال الفلسطيني يُقتل ويُحاصر ويُحرم من حقه في تقرير مصيره؟ وكيف يمكن الحديث عن “شرق أوسط جديد” فيما العدالة نفسها غائبة عن أساس هذا المشروع؟

والأخطر من ذلك أن تحويل إيران إلى “العدو المركزي” يمنح جميع الأطراف مبررات إضافية للاستمرار في الصراع، فالولايات المتحدة تستخدم الخوف من إيران لتوسيع التحالفات والتطبيع، ودولة كيان الاحتلال تستخدمه لتعزيز شرعيتها الإقليمية، بينما تستثمر إيران هذا العداء لتقديم نفسها باعتبارها رأس “محور المقاومة” في مواجهة الهيمنة الأمريكية ودولة كيان الاحتلال.

وهكذا تدخل المنطقة في حلقة سياسية مغلقة؛ كل طرف يحتاج إلى استمرار التوتر كي يبرر مشروعه، فإن المشكلة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست فقط في الصراعات العسكرية، بل في غياب مشروع عادل يحقق التوازن بين الأمن والحقوق والسيادة، فالاستقرار الذي يُبنى على موازين القوة وحدها قد يفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع سلاماً دائماً، أما السلام الحقيقي فلا يمكن أن يولد من تجاهل حقوق الشعوب أو فرض التحالفات بالقوة السياسية والاقتصادية، بل من الاعتراف بأن العدالة ليست تفصيلاً أخلاقياً في السياسة الدولية، بل شرطاً أساسياً للاستقرار نفسه.

ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل المنطقة عبر الحرب على إيران وربط ذلك بالتطبيع مع دولة الاحتلال، دون حل عادل للقضية الفلسطينية، ستبقى مشروعاً ناقصاً مهما امتلك من قوة عسكرية أو دعم دولي؛ لأن الشعوب قد تصمت تحت ضغط المصالح، لكنها لا تنسى القضايا التي تشعر أنها تمس كرامتها ووجودها وهويتها التاريخية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :