الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس
محمد نور الدباس
28-05-2026 02:28 PM
تُعدّ الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس واحدة من أكثر القضايا السياسية والدينية والتاريخية حساسية في المنطقة، ليس فقط لأنها ترتبط بمدينة تُعدّ محور الصراع العربي–الإسرائيلي، بل لأنها تمثل أيضاً عنواناً للشرعية التاريخية والدينية والسياسية في الدفاع عن هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية، ومن هنا، فإن أي حديث عن المساس بهذه الوصاية أو إعادة توزيعها أو تدويرها بين عدد من الدول ليس مجرد نقاش إداري حول “إدارة أماكن مقدسة”، بل محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والرمزي للقدس والمنطقة بأكملها.
فعندما بايع أهالي القدس الشريف الشريف الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، عام 1924م وصيًا على المقدسات الإسلامية في القدس، والتي تعتبر لحظة تاريخية كانت الأمة العربية فيها تواجه مشاريع التقسيم والاستعمار وطمس الهوية، وبهذه المبايعة ارتبطت الأسرة الهاشمية بحماية المقدسات ورعايتها، ليس بوصفها امتيازاً سياسياً، بل باعتبارها مسؤولية تاريخية ودينية وأخلاقية في العصر الحديث، وتاريخياً فقد تم بناء المسجد الأقصى بشكله الحالي الذي يضُم المصليات والمعالم، بتجديده وتوسعته في العصر الإسلامي على يد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وأشرف على بنائه التابعي رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام عام 66 هـ / 685م، والأمويون هم أبناء عمومة الهاشميين، كما لعب العباسيون (وهم هاشميون) دوراً مهماً في صيانة وإدارة مدينة القدس دينياً وعمرانياً، حيث تميز عهدهم بـحملات ترميم كبرى، إصدار عملات نقدية تحمل اسم المدينة، وحماية الأماكن المقدسة للديانات الأخرى، لتصبح المدينة مركزاً علمياً ودينياً بارزاً.
وعلى امتداد العقود، لم تكن الوصاية الهاشمية مجرد شعار، بل تُرجمت إلى أفعال ملموسة؛ من ترميم قبة الصخرة المشرفة، إلى إعمار المسجد الأقصى، إلى دعم الأوقاف الإسلامية والمسيحية، وصولًا إلى الدفاع السياسي والدبلوماسي عن القدس في المحافل الدولية، وقد اكتسبت هذه الوصاية شرعية إضافية بموجب الاتفاقيات الدولية والسياسية، وأبرزها اتفاقية السلام الأردنية–الإسرائيلية عام 1994، التي اعترفت بالدور الأردني الخاص في المقدسات الإسلامية في القدس، فضلًا عن اتفاقية عام 2013 بين جلالة الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، التي أكدت أن الملك هو صاحب الوصاية وخادم المقدسات في القدس الشريف.
هذه الوصاية، التي شكلت عبر عقود عنصر استقرار وحماية للهوية التاريخية للقدس، أصبحت اليوم هدفاً لمحاولات متعددة لإضعافها أو تجاوزها أو إعادة تعريفها، وتظهر بين الحين والآخر أطروحات تتحدث عن “تدويل” إدارة المقدسات، أو “تقاسم” الوصاية بين دول عربية وإسلامية، أو إنشاء مجالس إقليمية تشرف دوريًا على الحرم القدسي، وقد تبدو هذه الطروحات للبعض وكأنها دعوات للتعاون الإسلامي، لكنها في حقيقتها تحمل أبعاداً سياسية أخطر بكثير.
فالهدف الأساسي من تفكيك الوصاية الهاشمية لا يتعلق بتحسين إدارة المقدسات، بل بإضعاف المرجعية السياسية العربية الموحدة تجاه القدس، وتحويل القضية من مسؤولية واضحة ومحددة إلى ملف قابل للمساومات والتجاذبات الإقليمية، وعندما تصبح الوصاية موزعة بين عدة أطراف، فإن ذلك يفتح الباب أمام تضارب المصالح، واختلاف الأولويات، وربما يخلق حالة من الفراغ السياسي والقانوني الذي يمكن استغلاله لفرض وقائع جديدة على الأرض.
والأخطر من ذلك أن بعض القوى الدولية والإقليمية تدرك أن الوصاية الهاشمية تشكل أحد أبرز العوائق أمام مشاريع تهويد القدس بالكامل؛ لأنها تمنح الأردن، بحكم الشرعية التاريخية والدينية والقانونية، قدرة على التحرك السياسي والدبلوماسي في مواجهة الانتهاكات التي تستهدف المسجد الأقصى والمقدسات المسيحية، لذلك فإن إضعاف هذه الوصاية يعني عملياً إضعاف الجبهة المدافعة عن الهوية الإسلامية والعربية للقدس.
كما أن الحديث عن “تدوير” الوصاية بين دول مختلفة يكشف فهماً سطحياً لطبيعة القدس نفسها، فالقدس ليست مؤسسة إدارية تُدار بعقود مؤقتة، بل قضية سيادة وهوية وتاريخ، والوصاية الهاشمية لم تستمد قوتها من المال أو النفوذ، بل من الاستمرارية التاريخية والثقة التي كرستها قرون وعقود طويلة من الرعاية والحماية والدفاع.
ومن المهم إدراك أن الحفاظ على الوصاية الهاشمية لا يعني احتكاراً دينياً أو سياسياً، بل يمثل حماية لإطار عربي–إسلامي–مسيحي متوازن حافظ، رغم كل الضغوط، على الحد الأدنى من الاستقرار في إدارة المقدسات، ولهذا فإن أي محاولة للمساس بها ستفتح الباب أمام صراعات جديدة داخل العالمين العربي والإسلامي حول من يملك حق التمثيل والإدارة، وهو ما قد يخدم في النهاية القوى التي تسعى إلى فرض سيطرة الأمر الواقع على القدس.
إن الدفاع عن الوصاية الهاشمية اليوم ليس دفاعاً عن دور دولة فقط، بل دفاع عن آخر ما تبقى من مرجعية تاريخية مستقرة في مدينة تتعرض يومياً لمحاولات تغيير هويتها وطمس معالمها، فالقدس لا تحتاج إلى مزيد من التنافس السياسي، بل تحتاج إلى حماية حقيقية تستند إلى الشرعية التاريخية والقانونية، وإلى إرادة ثابتة لم تتغير رغم تبدل الظروف والتحالفات.
وفي زمن تتغير فيه المواقف بسرعة، تبقى الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس واحدة من الثوابت القليلة التي ما تزال تعبر عن التزام تاريخي لم يخضع للمساومة، وعن معركة هوية لا تتعلق بالماضي فقط، بل بمستقبل القدس والمنطقة بأسرها.