facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العرب وإيران من إدارة العداء إلى هندسة المصالح


سمير حمدان - بودابست
12-06-2026 11:16 PM

*هل يصبح الحوار مع الجار أهم من التحالف مع البعيد؟

أعلم أن هذا الطرح لن يروق لكثيرين، أفراداً ودولاً، لكن بعض الأسئلة تصبح ضرورية لأنها غير مريحة، وما أطرحه هنا ليس دفاعاً عن أحد، بل بحثاً عما قد يخدم مصالح الجميع ويجعل كلفة السلام أقل من كلفة الصراع، ففي الشرق الأوسط اليوم يبرز سؤال يتجنب كثيرون طرحه بصراحة، إذا كانت دول المنطقة قادرة على بناء شراكات مع قوى تبعد آلاف الكيلومترات، فلماذا يبدو الحوار مع إيران، الجار الدائم بحكم الجغرافيا، أكثر تعقيداً من أي انفتاح على القوى البعيدة؟

هذا السؤال لا ينطلق من تجاهل السياسات الإيرانية أو تبرئتها، فجزء مهم من أزمة الثقة العربية الإيرانية يرتبط بتدخلات تركت آثاراً عميقة في عدد من الدول العربية، كما أن أي حديث جاد عن الاستقرار لا يمكن أن يتجاوز حقائق أساسية، لا استقرار بلا سيادة، ولا شراكة مع استمرار منطق الميليشيات، ولا أمن إقليمي في ظل التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكن المشكلة أن المنطقة أمضت عقوداً في إدارة نتائج الصراع أكثر مما حاولت معالجة أسبابه، حتى أصبح العداء نفسه جزءاً من بنية النظام الإقليمي .

المعضلة الحقيقية ليست وجود خلاف عربي إيراني، فالتاريخ مليء بدول متجاورة تنافست وتصارعت ثم بنت قواعد للتعايش، المعضلة أن الشرق الأوسط ما زال من أقل أقاليم العالم قدرة على تحويل التنافس إلى نظام منظم، ولهذا يتحول كل خلاف إلى أزمة، وكل أزمة إلى مواجهة، وكل مواجهة إلى فرصة لتدخل قوى خارجية تجد في الفراغ الإقليمي أحد أهم مصادر نفوذها .

في الوقت نفسه، يتغير العالم بسرعة لا تسمح بالاستمرار في الحسابات القديمة، فالشرق الأوسط لم يعد يحتل الموقع نفسه في الاستراتيجية الأمريكية كما كان بعد الحرب الباردة، بينما تنتقل مراكز الثقل الاقتصادي نحو آسيا، وتتقدم الصين والهند وقوى إقليمية أخرى في رسم ملامح النظام الدولي الجديد، وفي عالم يتجه نحو التعددية القطبية، يصبح الاعتماد المطلق على المظلات الخارجية خياراً أكثر كلفة وأقل ضماناً، فالقوى الكبرى تغيّر أولوياتها ومصالحها باستمرار، أما الجغرافيا فلا تتغير .

لقد أثبتت العقود الماضية أن الصراع لم يمنح أي طرف انتصاراً حاسماً، العرب لم ينجحوا في احتواء إيران عبر المواجهة المستمرة، وإيران لم تنجح في تحويل نفوذها الإقليمي إلى استقرار دائم، وكانت النتيجة استنزافاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً للجميع، وبينما كانت مناطق أخرى تبني تكتلات اقتصادية ومشاريع عابرة للحدود، ظل الشرق الأوسط يستهلك جزءاً كبيراً من موارده في إدارة الأزمات وإعادة إنتاجها .

ومن المفارقات أن منطقة تمتلك واحداً من أهم المواقع الجيوسياسية في العالم لا تزال تتعامل مع الجغرافيا وكأنها لعنة لا فرصة، فالعرب وإيران يشتركون في فضاء استراتيجي واحد يضم أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب واسع في الخليج أو مضيق هرمز لا ينعكس على أطرافه فقط، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، لذلك فإن استمرار الصراع المفتوح لا يرفع كلفة المخاطر على المنطقة وحدها، بل يجعلها أكثر اعتماداً على القوى الخارجية التي تقدم نفسها باعتبارها الضامن الوحيد للأمن .

هنا يصبح السؤال مختلفاً، فالقضية ليست ما إذا كان العرب وإيران قادرين على الاتفاق على كل شيء، فهذا غير واقعي، بل ما إذا كانوا قادرين على الاتفاق على ما يمنع الانفجار، فالدول لا تبني استقرارها عبر إلغاء الخلافات، بل عبر وضع قواعد لإدارتها، وما يحتاجه الشرق الأوسط ليس محوراً عربياً ضد إيران ولا محوراً إيرانياً ضد العرب، بل عقداً إقليمياً جديداً يقوم على احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحماية الممرات الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة .

الحقيقة التي قد لا تعجب كثيرين هي أن العرب لا يستطيعون تغيير موقع إيران على الخريطة، وإيران لا تستطيع اختيار جيران مختلفين، ولهذا فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد بقدرة أي طرف على إقصاء الآخر، بل بقدرتهما معاً على بناء نظام يجعل التعاون أكثر ربحاً من الصراع، وربما يكون الخطر الأكبر على الشرق الأوسط اليوم ليس قوة إيران ولا ضعف العرب، بل استمرار غياب إطار إقليمي يحوّل الجغرافيا من ساحة تنافس مفتوح إلى أساس لمصالح مشتركة واستقرار مستدام .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :