أوهام "الأنا" السردية .. حين يصبح التاريخ تضليلاً ممنهجاً للذاكرة الجمعيةأمل محي الدين الكردي
13-06-2026 01:26 PM
لم يعد التحدي الذي نواجهه في "سرديات الوجوه" مجرد خلافٍ على وقائع تاريخية، بل نحن بصدد معركة وجودية ضد "التشييء السردي"؛ إذ نعيش في مجتمعاتٍ تعاني من أزمة ذاكرة حادة، حيث يحاول البعض كتابة التاريخ بطريقةٍ انتقائية، محولين إياه إلى "سلعة عائلية" خاصة تُصاغ وفق مقتضيات الأنا لا وفق حقائق الميدان. إن من يكتبون سرداً يُلغون فيه "الآخر" كالجيران والمهمشين وأهل الشوارع والوديان، لا يمارسون النسيان بل يمارسون هندسة اجتماعية خبيثة للذاكرة، فهم يتعمدون صياغة نصٍّ تاريخي يُظهر عائلةً أو فرداً كمركزٍ كوني، بينما يُوضع الآخرون في الظل، متناسين أن أي منطقة مهما صغرت هي نسيجٌ معقد شارك في حياكته الجميع؛ أفرادٌ تقاسموا رغيف الخبز وضيق الحال وفرحة المكان، وحين تُلغى أسماء الجيران من وثيقة تاريخية لشارعٍ ما، فإننا لا نحذف اسماً بل نمحو الرابط الاجتماعي الذي جعل من ذلك الشارع موطناً لا مجرد طريق، وهذا الفعل هو اعتداء مباشر على الهوية التشاركية لمجتمعنا. إن الصمت المتعالي الذي يواجهه الباحثون من أصحاب "الأنا" ليس صدفة، بل هو آلية دفاعية، فهم يعلمون أن سردياتهم هشّة معرفياً لأنها قائمة على الاستثناء لا الشمول، وحين يُوضع أمامهم وجه الجار أو حكاية الشخص المنسي، تنهار قدسية روايتهم؛ لذا فإن هروبهم من النقاش هو اعتراف ضمني بأن تاريخهم مُصطنع، وأن وجود "الآخر" في الصورة يفسد عليهم مشهد البطولة الأحادية، فهؤلاء يظنون أنهم يكتبون تاريخاً بينما هم يكتبون أدب تفاخر يعتمد على سلطة الحبر والمال، غافلين عن أن التاريخ كالحقيقة لا يمكن سجنه في كتاب أو حصره في صالون. وتتجلى الكارثة الحقيقية في "الفقدان المعرفي"، فعندما تُحذف أسماء الناس نحن لا نحذف أجساداً بل نحذف خبراتٍ كان يمكن أن تضيء طريق الأجيال كحكمة الجار في حل النزاعات أو إبداع المبدع في مهنته، وهذا يؤدي إلى "عزلة هوياتية" تفتقر لذكر كل من شارك في بناء بيئته، ما ينشئ جيلاً منفصلاً عن واقع العمل التشاركي الذي بُنيت عليه حياتنا فعلياً. إن مشروع "سرديات الوجوه" ليس مجرد أرشيف، بل هو فعل مقاومة، ونحن في مواجهةٍ مفتوحة مع "سلطة الحبر" التي تظن أنها تملك الحقيقة لأنها تمتلك المطبعة، لذا فإن إصرارنا على ذكر الأسماء المنسية وتوثيق القصص الهامشية هو محاولة لإعادة الإنسان إلى مكانه الطبيعي، فالتاريخ ليس للأبطال المزعومين بل للأرواح التي عاشت وتعبت وأسست هذا الكيان بتواضع وبساطة. إننا نعلنها صراحةً أن السردية التي تفتقر إلى "الآخر" هي سردية ميتة، ومن يمارس الأنانية في الكتابة لا يكتب تاريخاً بل يكتب إعلاناً ترويجياً لذاته، وسنستمر في نبش الحقيقة التشاركية لإعادة الاعتبار لكل إنسانٍ حاولوا محوه من الذاكرة، فالتاريخ الحقيقي هو الذي يتسع للجميع، وكل ما عدا ذلك هو مجرد هراء تفاخر سيندثر مع أول موجة وعي حقيقية، وإننا ندعو كل فردٍ يعي أن تاريخه أمانة ألا ينتظر اعترافاً من أصحاب الأنا المتضخمة، وأن يبادر بنفسه لتوثيق حكاية جاره وقصص منطقته، فالتاريخ لا يُصنع بالادعاء، بل بالتشارك. |
| الاسم : * | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : * |
بقي لك 500 حرف
|
| رمز التحقق : |
أكتب الرمز :
|
برمجة واستضافة