في عالم تتسابق فيه الأمم مع الزمن، لم يعد النفط هو الثروة الأغلى، ولا المعادن النادرة، ولا حتى التكنولوجيا المتقدمة. الثروة الحقيقية اليوم هي الوقت. الدول التي فهمت هذه الحقيقة تقدمت، والدول التي أهدرت وقتها تراجعت، مهما امتلكت من موارد وإمكانات. ومن هنا يبرز السؤال المؤلم: من يسرق الوقت العربي؟
ليس الوقت العربي ضحية عقارب الساعة، بل ضحية ثقافة كاملة اعتادت التأجيل أكثر من الإنجاز، والكلام أكثر من الفعل، والاجتماعات أكثر من القرارات. فالسنوات التي ضاعت من عمر الأمة لم تسرقها الحروب وحدها، بل سرقتها أيضاً البيروقراطية، والصراعات الصغيرة، وحسابات المصالح الضيقة، والخوف المزمن من التغيير.
في كثير من مؤسساتنا العربية، لا يُقاس النجاح بما تحقق على الأرض، بل بعدد الاجتماعات التي عُقدت، والبيانات التي أُصدرت، واللجان التي شُكلت. يتحول الوقت إلى ضحية لسلسلة طويلة من الإجراءات التي تبدأ بدراسة الموضوع، ثم إعادة دراسته، ثم تشكيل لجنة لدراسته، ثم فريق لمراجعة ما توصلت إليه اللجنة، حتى يفقد الموضوع أهميته أو يموت قبل أن يرى النور.
كم من مشروع عربي طموح وُلد في قاعات الاجتماعات ثم اختفى في أدراج المكاتب؟ وكم من مبادرة كان يمكن أن تغير واقعاً كاملاً لكنها اصطدمت بعقلية الخوف من المبادرة؟ وكم من قرار حظي بإجماع الجميع لحظة التصويت عليه ثم دُفن في اليوم التالي تحت ركام الأعذار والتبريرات؟
المفارقة أن العرب لا يعانون من نقص الأفكار، بل من بطء الحركة. لا تنقصهم الرؤى، بل الجرأة على التنفيذ. ففي كل اجتماع عربي تقريباً تجد خبرات استثنائية وعقولاً مبدعة ومقترحات قابلة للتحقيق، لكنك تجد أيضاً من يملك قدرة عجيبة على إضاعة الوقت وتحويل أبسط القضايا إلى متاهات إجرائية لا تنتهي.
هناك من يسرق الوقت العربي عندما يرفض فكرة جديدة فقط لأنها لم تصدر عنه. وهناك من يسرقه عندما يحول المؤسسات إلى ساحات لحماية النفوذ بدلاً من أن تكون منصات للإبداع. وهناك من يسرقه عندما يضع العراقيل أمام المبادرات خشية أن تُحسب إنجازاتها لغيره. وهناك من يسرقه عندما يخلط بين الحفاظ على المؤسسة والحفاظ على موقعه الشخصي داخل المؤسسة.
ولعل أخطر لصوص الوقت العربي هم أولئك الذين يتحدثون باسم التطوير بينما يقاومون كل إصلاح حقيقي. يرفعون شعارات التحديث في العلن، لكنهم في الخفاء يدافعون عن واقع يضمن استمرار امتيازاتهم. يخشون التغيير لأنه يكشف الفارق بين من يصنع الإنجاز ومن يكتفي بإدارته بالكلمات.
لقد خسرت الأمة العربية فرصاً تاريخية لا بسبب ضعف الإمكانات، بل بسبب البطء في اتخاذ القرار. وبينما كانت دول أخرى تخطط لعقود قادمة، كنا نناقش ما إذا كان ينبغي أن نبدأ النقاش أصلاً. وبينما كانت شعوب العالم تستثمر في الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة والتحول الرقمي، كنا لا نزال نختلف على الصياغات والمصطلحات وأماكن عقد الاجتماعات.
إن الزمن لا ينتظر أحداً. وما تخسره الأمم من وقت لا يمكن استعادته مهما امتلكت من المال. فكل سنة تضيع من دون إصلاح هي فرصة ضائعة لجيل كامل. وكل مشروع يتأخر هو حلم مؤجل لملايين الشباب. وكل قرار يبقى حبراً على ورق هو جزء من المستقبل يُسحب من أيدي الأجيال القادمة.
السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تأخرنا؟ بل لماذا ما زلنا نسمح بسرقة وقتنا؟ ولماذا لا نحاسب من يهدر أغلى مورد تملكه الأمة؟ فالمال يمكن تعويضه، والموارد يمكن اكتشاف بدائل لها، أما الزمن فإذا مضى لا يعود.
إن معركة العرب الحقيقية اليوم ليست فقط مع الفقر أو البطالة أو الصراعات، بل مع ثقافة هدر الوقت. فالأمم لا تنهض عندما تمتلك الخطط وحدها، بل عندما تمتلك الإرادة لتحويل الوقت إلى إنجاز، والأفكار إلى واقع، والقرارات إلى نتائج.
وحين ندرك أن كل دقيقة تضيع من عمر الأمة هي خسارة استراتيجية، سنكتشف أن أكبر معركة عربية ليست حول من يملك السلطة، بل حول من يملك الشجاعة لوقف نزيف الوقت العربي قبل أن يتحول الى تاريخ الفرص المهدرة .