facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عودة الرحاحلة: انتصار لعقل الدولة الاستراتيجي


فيصل تايه
18-06-2026 09:15 AM

يمكن قراءة قرار مجلس الوزراء بتعيين الدكتور حازم الرحاحلة مديراً عاماً للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي باعتباره يحمل دلالات تتجاوز حدود الفعل الإداري المباشر؛ فرسالة "الدوار الرابع" تكشف عن الطريقة التي تعيد بها الدولة قراءة قيمة الخبرات الوطنية، والمنهجية التي تفكر بها في إدارة مؤسساتها، وقدرتها على الاستفادة من أصحاب التجربة عندما تتطلب المرحلة ذلك.

فالمعنى الأعمق لهذا القرار يكمن في اختيار خبرة تعرف طبيعة المؤسسة التي ستقودها، وتدرك حجم المسؤولية الملقاة عليها، وتمتلك رصيداً معرفياً متراكماً حول واحد من أكثر الملفات الوطنية حساسية وارتباطاً بحياة المواطنين ومستقبلهم. فالضمان الاجتماعي هو أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وصمام أمان يمس حقوق المواطنين ومستقبل الأسر والثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته.

ولهذا فإن إدارة هذه المؤسسة تحتاج إلى أكثر من قدرة تنفيذية تقليدية؛ فهي تحتاج إلى عقلية اقتصادية واعية، وإدراك عميق لمسارات العمل وتحدياته، وقيادة تدرك أن القرارات فيها لا تقاس بمؤشراتها المالية فقط، بل بأثرها المباشر على الأمن الاجتماعي للناس. فالخبرة هنا ليست مجرد سنوات في الموقع، وإنما تراكم معرفة وقدرة على التمييز بين ما هو عابر وما هو جوهري، وما يتركه المسؤول من منهج ورؤية في التعامل مع الملفات.

وتزداد أهمية ذلك في ظل المسار الوطني لتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، التي لا تقوم فقط على وضع الخطط والطموحات، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة؛ فنجاح المشاريع الوطنية الكبرى يرتبط بوجود إدارة كفؤة وقيادات تمتلك القدرة على الربط بين التخطيط والتنفيذ، واتخاذ القرارات على أساس من المعرفة والخبرة، لأن قوة الدولة لا تقاس بما تضعه من سياسات فقط، وإنما بقدرتها على تنفيذها بكفاءة وثبات .

ويتكامل ذلك مع مسار التحديث الإداري الذي يؤكد عليه جلالة الملك عبدالله الثاني؛ وهنا تثبت حكومة الدكتور جعفر حسان مرونتها الاستراتيجية في تحصين القرار الوطني السيادي بعيداً عن منطق التجاذبات الضيقة أو محاولات ربط التغيير الإداري بإملاءات خارجية أو خطط دولية مفروضة. فالتحديث الحقيقي لا يعني القطيعة مع التجارب، بل يعني حسن اختيار القيادات التي تمتلك القدرة المعرفية والأرقام الصلبة لمحاورة أي جهة من موقع القوة والمسؤولية، لضمان ألا يُمرر أي تعديل تشريعي إلا إذا كان يخدم ديمومة أموال المشتركين ومصلحة الدولة العليا، بعيداً عن الشعبوية أو التخوف من استحقاقات الإصلاح.

فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية لا ترفض الإصلاح، لكنها لا تتعامل معه باعتباره مجرد استجابة لضغوط أو توقيتات خارجية، بل باعتباره مساراً وطنياً يستند إلى المعرفة والدراسة وقياس الأثر. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بسرعة تمرير القرارات، وإنما بمدى قدرته على حماية الحقوق وتعزيز الاستدامة والحفاظ على الثقة العامة بالمؤسسات.

ومن هنا، فإن أي تطوير تشريعي أو إداري في منظومة الضمان الاجتماعي يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية، وهي أن هذه المؤسسة تمثل حقوق ملايين المشتركين ومدخراتهم ومستقبلهم، وأن أي خطوة باتجاه التطوير يجب أن تحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على الاستدامة المالية والاجتماعية.

وقد ارتبط اسم الدكتور حازم الرحاحلة خلال إدارته السابقة للمؤسسة بين عامي (٢٠١٨ - ٢٠٢٢) بمرحلة استثنائية واجهت فيها الدولة تحديات غير مسبوقة، ولا سيما خلال جائحة كورونا. وهي مرحلة تطلبت قرارات دقيقة وجريئة للموازنة بين حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي عبر إطلاق حزمة من برامج الحماية الاجتماعية الحصيفة، مثل "استدامة" و"مساند" و"تضامن"، التي أسهمت في حماية العمالة والقطاع الخاص، والمحافظة في الوقت ذاته على متانة النظام التأميني والاستدامة المالية والدراسات الإكتوارية بعيدة المدى لصون حقوق الأجيال القادمة.

ولم تكن تلك التجربة في ظروف اعتيادية، بل شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة القيادة على التعامل مع أزمة مركبة تتطلب سرعة الاستجابة ودقة القرار وفهماً عميقاً لدور المؤسسة ومسؤولياتها. وقد أظهرت تلك المرحلة أن إدارة الملفات الحساسة لا تعتمد فقط على الإجراءات، بل تحتاج إلى قدرة على قراءة المشهد واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

ومن هنا، فإن عودة الدكتور الرحاحلة ينبغي أن تُقرأ بوصفها عودة لخبرة تعرف تفاصيل الطريق وتمتلك القدرة على البناء على ما تحقق وتطويره بما ينسجم مع متطلبات المرحلة. فالمؤسسات الكبرى لا تُبنى بمنطق القطيعة المستمرة مع التجارب السابقة، كما أنها لا تتطور بالجمود، وإنما بقوة الجمع بين التجديد والتراكم.

وقد يرى البعض أن التطوير الإداري يتطلب دائماً إتاحة المجال أمام قيادات جديدة، وهي رؤية مشروعة تنطلق من أهمية التجديد وضخ الأفكار الجديدة داخل المؤسسات. إلا أن التجديد الحقيقي لا يعني إلغاء الخبرة، كما أن الاستفادة من الخبرات المتراكمة لا تعني تعطيل التطوير؛ فالدول الناجحة تعرف كيف تجمع بين الطاقات الجديدة والمعرفة التي راكمتها مؤسساتها عبر السنوات.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات القرار الحكومي؛ فالإدارة الرشيدة تتطلب أن تعرف بدقة ما الذي يحتاج إلى تطوير، وما الذي يمثل قيمة يجب البناء عليها. وهذه هي النقطة التي تميز الدول التي تنظر إلى مؤسساتها بعقل استراتيجي عن تلك التي تتعامل مع الإدارة باعتبارها مراحل منفصلة لا رابط بينها.

ومن هذه الزاوية، فإن اختيار الحكومة للدكتور حازم الرحاحلة يحمل رسالة تتجاوز حدود التعيين التقليدي؛ فهو يعكس إدراكاً بأن الاستثمار في الكفاءات الوطنية ليس عودة إلى الماضي، بل توظيف واعٍ لما تملكه الدولة من خبرات لصناعة مستقبل أكثر كفاءة واستقراراً. فالدولة التي تراكم خبراتها ولا تهدرها هي دولة تتعلم من تجربتها، والدولة التي تعرف كيف توظف كفاءاتها هي دولة تقلل كلفة التجربة والخطأ، وتمنح مؤسساتها قدرة أكبر على الاستمرار.

وفي النهاية، تبقى المؤسسات الكبرى بحاجة إلى قيادات تفهم رسالتها قبل أن تدير أرقامها وسياساتها. وعندما تختار الدولة من يمتلك التجربة والقدرة على حمل المسؤولية، فإنها لا تستعيد شخصاً إلى موقع فقط، بل تستعيد قيمة من قيم الإدارة الرشيدة؛ فالدول لا تتقدم فقط بما تستحدثه وتطوره، بل أيضاً بما تعرف كيف تحافظ عليه، وكيف تحول خبراتها المتراكمة إلى قوة تدفعها نحو المستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :