الشرق الأوسط بعد الحرب: من غيّر قواعد اللعبة؟ (1)
د. محمد بني سلامة
18-06-2026 09:24 AM
عندما تتحول الحرب إلى مفاوضات
في التاريخ السياسي، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ التي أُطلقت ولا بحجم الدمار الذي خلفته، بل بالنتائج التي تفرضها على الأرض بعد أن يهدأ صوت المدافع. فالحرب ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية محددة. ومن هنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه بعد المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة: هل حققت واشنطن ما أعلنت أنها دخلت الحرب من أجله؟
اللافت أن الإجابة لم تعد تقتصر على خصوم الولايات المتحدة أو على المحللين المستقلين، بل بدأت تتردد داخل وسائل إعلام غربية كبرى. فقد نشرت صحف ومجلات أمريكية وبريطانية مؤثرة قراءات تتساءل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة قد خرجت من هذه المواجهة وقد حققت فعلًا أهدافها المعلنة. هذه التساؤلات لا تنطلق من موقف أيديولوجي، بل من مقارنة بسيطة بين الأهداف التي أُعلنت في بداية الصراع والنتائج التي ظهرت بعد أشهر من المواجهة.
عندما دخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب دائرة التصعيد مع إيران، كان الخطاب السياسي واضحًا وحادًا. فقد تحدثت الإدارة عن ضرورة وقف التخصيب النووي الإيراني بصورة كاملة، وعن ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية كبرى. كما جرى الحديث مرارًا عن إضعاف النظام الإيراني وإجباره على القبول بشروط أمريكية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
لكن بعد أشهر من الصراع، تبدو الصورة مختلفة تمامًا.
فالنظام الإيراني ما يزال قائمًا. ومؤسسات الدولة الإيرانية لم تنهَر. كما أن إيران لم تدخل مرحلة الاستسلام السياسي أو العسكري التي كانت بعض التقديرات تتوقعها. بل إن كثيرًا من المؤشرات توحي بأن الضغوط الخارجية دفعت شرائح واسعة من المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حول الدولة في مواجهة التهديد الخارجي، وهي ظاهرة شهدها التاريخ مرارًا في العديد من الدول التي تعرضت لصراعات مشابهة.
وهنا تظهر حقيقة سياسية مهمة؛ فهناك فرق كبير بين أن تُهزم دولة وتُجبر على الاستسلام، وبين أن تدخل مفاوضات وهي ما تزال تمتلك أوراق قوة وقدرة على المناورة. وهذا الفرق سيكون أحد أهم العناصر التي سيعتمد عليها المؤرخون عند تقييم هذه المرحلة مستقبلاً.
الأكثر إثارة للتأمل أن المفاوضات الجارية اليوم تبدو، في بعض جوانبها، قريبة من الإطار العام للاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة ترامب عام 2018. وإذا ما انتهت هذه المفاوضات إلى تفاهمات مشابهة، فإن ذلك سيطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: هل قادت سنوات التصعيد والعقوبات والمواجهة العسكرية إلى نتيجة مختلفة جذريًا عما كان قائمًا قبل الانسحاب من الاتفاق النووي؟
من جهة أخرى، تؤكد الإدارة الأمريكية أن المواجهة حققت أهدافًا تتعلق بأمن الملاحة في الخليج وحماية حركة التجارة العالمية. لكن هذه الرواية تواجه بدورها نقاشًا واسعًا حول مدى ارتباط هذه الإنجازات بالأهداف الكبرى التي جرى الترويج لها في بداية الأزمة.
وفي جميع الأحوال، فإن ما نشهده اليوم لا يبدو انتصارًا حاسمًا لطرف أو هزيمة مطلقة لطرف آخر. بل نحن أمام مرحلة انتقالية تعيد تشكيل التوازنات السياسية والاستراتيجية في الشرق الأوسط. فالحروب الكبرى لا تنتهي عند لحظة وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها عملية إعادة توزيع النفوذ ورسم الخرائط السياسية الجديدة.
ولعل أهم ما أفرزته هذه المواجهة حتى الآن هو أنها دفعت جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى إعادة النظر في حساباتهم السابقة. فالأطراف التي كانت تراهن على نتائج سريعة وحاسمة وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا، بينما بدأت قوى أخرى في استثمار المتغيرات الجديدة لصالحها.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من أطلق الصاروخ الأول؟ بل من استطاع أن يخرج من هذه المواجهة محتفظًا بأكبر قدر من أوراق القوة؟ والإجابة عن هذا السؤال ستقودنا إلى فهم أعمق للتحولات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم.
يتبع..