facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




على شرفة العمر


اللواء محمد بني فارس
21-06-2026 12:07 PM

كلما تقدّمتُ في العمر، أدركتُ أن الحياة لم تكن سباقًا إلى الوصول كما ظننت في بدايات الطريق، بل رحلةً طويلة لفهم المعنى. وما بين أول الحلم وآخر الذكرى، تمضي السنوات بهدوءٍ لا نشعر به، حتى نجد أنفسنا واقفين على شرفةٍ عالية من العمر، نتأمل ما مضى بعينٍ أكثر صفاءً، وقلبٍ أكثر هدوءًا، وروحٍ أقل انشغالًا بما كان يشغلها يومًا.

أتذكر البدايات الأولى، حين كانت الأحلام أكبر من الواقع، وكانت الطرق تبدو بلا نهاية. كنا نظن أن الزمن يمشي على مهل، وأن الأيام تنتظرنا حتى ننجز كل ما نريد. ثم مضت الأعوام كما تمضي الغيوم في سماءٍ واسعة، فإذا بالأحلام تتبدل، والوجوه تتغير، والأيام تعلّمنا ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا وعن الحياة.

وما أكثر الذين عبروا رحلتي. بعضهم جاء كنسمةٍ عطرة فترك في القلب أثرًا لا يزول، وبعضهم كانوا رفقاء دربٍ اقتسمنا معهم الضحكة والتعب والأمل، وبعضهم مضوا في طرقٍ أخرى وبقيت ذكراهم تسكن زوايا الروح. ومع كل لقاءٍ ووداع، كنت أتعلم أن الإنسان لا يعيش عمره وحده، بل يعيشه من خلال الذين يشاركونه شيئًا من الطريق.

وعبرتُ في حياتي دروبًا كثيرة، وحملتُ من المسؤوليات ما أثقل الكتف حينًا وأغنى الروح حينًا آخر. ورأيتُ من تقلّب الأيام ما جعلني أوقن أن القوة ليست في أن ننتصر دائمًا، بل في أن نبقى أوفياء لما نؤمن به مهما تبدلت الظروف. وأن الكرامة ليست فيما نحصل عليه من تقدير، بل فيما نحافظ عليه من مبادئ. وأن المحبة الصادقة هي الثروة الوحيدة التي تزداد كلما منحناها للآخرين.

ومع مرور السنين، بدأت الأشياء تتخذ أحجامها الحقيقية. فما بدا يومًا عظيمًا تضاءل، وما ظننته بسيطًا ازداد قيمةً في عيني. أدركت أن اللحظات الصغيرة التي عشناها بصدقٍ كانت أثمن من كثيرٍ من الإنجازات، وأن كلمةً طيبة قد تبقى في ذاكرة إنسانٍ أكثر مما يبقى حدثٌ كبير في ذاكرة الزمن. فالحياة في جوهرها ليست ما نملكه، بل ما نمنحه، وليست ما نحصده، بل ما نزرعه في القلوب.

وأنا اليوم ممتنٌّ لهذه الرحلة بكل ما حملته. ممتنٌّ للأفراح التي أشرقت في أيامي، وللأحزان التي صقلت روحي، وللنجاحات التي منحتني الثقة، وللإخفاقات التي منحتني الحكمة. ممتنٌّ لكل إنسانٍ مرّ في حياتي، فترك فيها أثرًا، أو علّمني درسًا، أو كشف لي معنىً لم أكن أراه من قبل. فما من تجربةٍ عشتها إلا وكانت جزءًا من الإنسان الذي أصبحت عليه اليوم.

وحين أراجع صفحات العمر، لا أسأل نفسي ماذا ربحت وماذا خسرت، بل أسأل: هل كنتُ صادقًا مع نفسي؟ وهل كنتُ وفيًّا لمن أحببت؟ وهل تركتُ في حياة من عرفتهم ما يستحق الذكر الجميل؟ فهذه الأسئلة وحدها هي التي تبقى معنا حين تهدأ ضوضاء الحياة، وتسقط عنها زينتها العابرة.

وإن كانت بيني وبين أحدٍ هفوةٌ أو تقصير، أو كلمةٌ لم تُحسن التعبير عما في القلب، فأرجو أن يتسع لها كرم النفوس. فما من إنسانٍ يمضي في هذه الحياة دون أن يتعثر أحيانًا، ودون أن تخذله العبارة أو يسبقه الانفعال. غير أنني ما تمنيت يومًا إلا الخير لمن عرفت، وما حملت في قلبي إلا المودة لمن شاركوني شيئًا من رحلة العمر.

ومع كل عامٍ يمضي، يزداد يقيني بأن أعظم ما يمكن أن يحققه الإنسان ليس نجاحًا يرويه للناس، بل أثرًا طيبًا يتركه بينهم. فالكلمات الصادقة، والمواقف النبيلة، والوفاء الذي لا تغيّره الأيام، هي الأشياء التي تمنح الحياة معناها الحقيقي، وتجعل الرحلة أكثر استحقاقًا لأن تُعاش.

واليوم، وأنا أقف على شرفة العمر، لا أحمل حسرةً على ما مضى، ولا خوفًا مما هو آتٍ، بل امتنانًا عميقًا لكل ما كان. فقد منحتني الحياة ما يكفي من الدروس لأفهم أن السعادة ليست في أن نعيش أعمارًا طويلة، بل في أن نعيشها بقلوبٍ صادقة، وأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما جمعه لنفسه، بل بما تركه من خيرٍ في حياة الآخرين.

وإذا كان لي من رجاء، فهو أن أبقى ما حييتُ وفيًّا لما أؤمن به، محبًّا للناس، حسن الظن بالله، وأن يكون ما بقي من الطريق امتدادًا لما تعلّمته من الطريق الذي مضى. فالعمر، في نهاية الأمر، ليس عدد السنوات التي نعبرها، بل مقدار النور الذي نتركه في قلوب من يعبرون معنا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :