الخال ضيف الله الحمود .. حين يصبح رجل الدولة ذاكرة وطن
السفير د. موفق العجلوني
22-06-2026 09:13 AM
تمر خمسة وعشرون عاماً على رحيل الخال ضيف الله الحمود الخصاونة، وما يزال اسمه حاضراً في ذاكرة الوطن بوصفه واحداً من رجالات الأردن الذين أسهموا في بناء الدولة ومؤسساتها، وحملوا مسؤولياتها في مراحل دقيقة من تاريخها، فجمعوا بين الفكر والعمل، وبين المسؤولية العامة والالتزام الأخلاقي، وبين خدمة الوطن وخدمة الناس.
في زمن تتعاقب فيه الأجيال وتتغير الوجوه، تبقى أسماء قليلة عصية على الغياب، لأنها لم تكن مجرد أسماء في سجل المناصب، بل كانت علامات مضيئة في مسيرة وطن. ومن بين تلك الأسماء يبرز اسم الخال ضيف الله الحمود، الذي استحق عن جدارة أن يتحول من مسؤول كبير إلى رمز اجتماعي ووطني، وأن يصبح لقبه الشعبي «الخال» جزءاً من هويته الوطنية في وجدان الأردنيين.
ولد المرحوم في النعيمة عام 1914، في مرحلة كانت الدولة الأردنية ما تزال تخطو خطواتها الأولى نحو التأسيس، فعاش نشأتها، وشارك في بناء مؤسساتها، وأسهم في ترسيخ قيمها. وكان من أبناء ذلك الجيل الاستثنائي الذي آمن بأن العلم هو طريق النهضة، وأن الخدمة العامة رسالة قبل أن تكون وظيفة، وأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفاً.
تنقل بين التعليم ( وزارة المعارف ) والمحاماة والقضاء والنيابة العامة، ثم حمل أعباء المسؤولية السياسية نائباً ووزيراً وعضواً في مجلس الأعيان، فتولى حقائب التربية والتعليم والداخلية والزراعة والطيران المدني والبرق والبريد والهاتف و امانة العاصمة ، في مراحل مفصلية من تاريخ المملكة. ولم يكن حضوره في هذه المواقع حضوراً إدارياً عابراً، بل حضور رجل دولة يدرك أن بناء المؤسسات هو أساس استقرار الأوطان وتقدمها.
وفي ميدان الفكر والصحافة، كان صاحب قلم وموقف، فأسهم في إعادة إصدار صحيفة «الميثاق»، وأسس صحيفة «الصحفي» التي بقيت منبراً وطنياً لعقود طويلة، مدافعاً عن حرية الرأي المسؤولة وعن القضايا الوطنية والقومية، مؤمناً بأن الكلمة الحرة شريك أساسي في بناء الوعي العام.
غير أن ما منح ضيف الله الحمود الخصاونة مكانته الخاصة لم يكن فقط تعدد المواقع التي شغلها، بل قدرته النادرة على الجمع بين هيبة المسؤول ودفء الإنسان. فقد ظل قريباً من الناس، مفتوح القلب والباب، حاضراً في مناسباتهم وقضاياهم، مؤمناً بأن قيمة المسؤول تقاس بما يقدمه للناس لا بما يحمله من ألقاب.
ولهذا لم يناده الأردنيون بلقب «معالي الوزير» أو «دولة المسؤول» بقدر ما عرفوه بلقب «الخال». ولم يكن ذلك اللقب مجاملة اجتماعية، بل تعبيراً صادقاً عن مكانة وجدانية اكتسبها بين الناس. فالخال في الوجدان الأردني هو صاحب الحكمة والرأي والمروءة، وهو السند عند الحاجة، والمرجع عند الشدائد، والقريب من الجميع دون تمييز. وقد اجتمعت هذه الصفات في شخصية ضيف الله الحمود حتى غلب اللقب على الاسم، وأصبح جزءاً من سيرته التي بقيت حية بعد رحيله.
كما امتد حضوره الوطني إلى العمل الاجتماعي والخيري، فترأس العديد من المؤسسات والجمعيات التي خدمت شرائح واسعة من المجتمع، وأسهم في رعاية أسر الشهداء والحجاج والسجناء، وكان من الداعمين للقضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها الثورة الجزائرية التي ناصرها بصدق وإخلاص، حتى ارتبط اسمه بمواقف قومية مشرفة ما زالت تُذكر له بكل تقدير.
وفي الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله، لا نستذكر رجلاً شغل مناصب رفيعة فحسب، بل نستذكر صفحة مضيئة من تاريخ الأردن، ورجلاً من جيل المؤسسين الذين وضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وآمنوا بأن خدمة الدولة شرف، وخدمة الناس واجب، وأن البقاء الحقيقي للإنسان يكون فيما يتركه من أثر طيب وسيرة حسنة.
وعندما يُذكر الخال ضيف الله الحمود الخصاونة اليوم، فإن الحديث لا يقتصر على ما أنجزه في حياته، بل يمتد إلى الإرث الذي تركه من بعده. فقد غرس في أسرته قيم العلم والانتماء والتميز والخدمة العامة.
ولعل من أجمل ما يخلده الإنسان بعد رحيله أن تتحول القيم التي آمن بها إلى نهج حياة في أسرته وأبنائه. فقد شكّلت الأسرة في حياة الخال ضيف الله الحمود شريكاً أصيلاً في مسيرته، وفي مقدمتها زوجته الراحلة السيدة عفاف الادهم "أم محمود"، التي كانت سنداً له في رحلة طويلة من العمل العام والعطاء الوطني، فكانت مثالاً للمرأة الأردنية الأصيلة التي وقفت خلف نجاحات أسرتها بصمت وإخلاص ومحبة.
كما يحق للأردنيين أن يروا في المسيرة المتميزة لنجله سعادة الزميل السفير محمود الحمود امتداداً طبيعياً لمدرسة وطنية عريقة أسسها والده. فقد مثّل الأردن خير تمثيل في المحافل الدولية، وشغل موقع المندوب الدائم للمملكة الأردنية الهاشمية لدى الأمم المتحدة، مدافعاً عن مواقف الأردن وقضاياه العادلة بحكمة واقتدار، قبل أن يتوج مسيرته القانونية والدبلوماسية باختياره قاضياً في محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية في منظومة الأمم المتحدة، وهو إنجاز يبعث على الفخر ويعكس ما غرسه الوالد من قيم العلم والانضباط والتميز وخدمة الوطن.
كما كان لكريماته السيدة ميسون عقيلة معالي الدكتور احمد الهنداوي أبو ذوقان ، و عليا بصمة العطاء امتداد لوالدها رحمه الله ، والدكتورة نسرين مديرة مركز الامن والسلامة الحيوي في الجمعية العلمية الملكية ، دورهن في الحفاظ على الإرث الأخلاقي والإنساني للأسرة، بما تمثلانه من قيم أصيلة تربى عليها أبناء وبنات هذا البيت الوطني المعروف.
لقد كانت عائلة الحمود الخصاونة ، وما تزال، واحدة من العائلات الأردنية الأصيلة التي ارتبط اسمها بخدمة الوطن والمجتمع، وقدمت عبر أجيالها نماذج في التعليم والثقافة والعمل العام والمسؤولية الوطنية. وهي عائلة لم تبحث عن المكانة بقدر ما صنعتها من خلال العمل والالتزام والوفاء للأردن وقيادته وشعبه.
ولهذا فإن استذكار الخال ضيف الله الحمود الخصاونة اليوم ليس استذكاراً لشخصية وطنية بارزة فحسب، بل استذكار لقيم راسخة جسدتها أسرة كاملة آمنت بأن خدمة الوطن شرف، وأن العطاء الحقيقي هو الذي يستمر أثره جيلاً بعد جيل.
رحم الله الخال ضيف الله الحمود الخصاونة، فقد كان واحداً من أولئك الرجال الذين لا يُقاس حضورهم بطول أعمارهم، بل بعمق أثرهم.
وبعد ربع قرن على رحيله، ما زال اسمه يُذكر باحترام، وسيرته تُروى باعتزاز، وذكراه حاضرة في قلوب من عرفوه، وفي ذاكرة وطن كان أحد أبنائه الأوفياء وصناع مسيرته.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
[email protected]