التوجيهي وكأس العالم .. اختبار التوازن وإدارة الأولويات
فيصل تايه
22-06-2026 09:14 AM
مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، وفي الوقت الذي تتجه فيه أنظار الملايين حول العالم إلى منافسات كأس العالم بما تحمله من إثارة واهتمام عالمي واسع، تعيش آلاف الأسر الأردنية التي يستعد أبناؤها للتقدم لامتحان "التوجيهي" لحظة استثنائية تتجاور فيها مسؤولية المستقبل مع متعة الحاضر، ولا سيما أن الشغف بالبطولة هذا العام يكتسب بُعداً وطنياً إضافياً مع الحضور الأردني التاريخي على مسرح المونديال، الأمر الذي يضاعف من حجم التفاعل الشعبي معها؛ حيث يلتقي الاستعداد للتوجيهي بأجواء البطولة، ويلتقي الطموح الشخصي بشغف جماهيري عابر للحدود.
لكن المشهد في حقيقته يتجاوز حدود مباراة وامتحان، ليتحول إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة المنظومة التربوية والأسرة على بناء "المرونة النفسية والتربوية" لدى الطلبة؛ وهي الكفاية الجوهرية التي تمكن الإنسان من إدارة أولوياته بكفاءة عندما تتزاحم الرغبات الآنية مع المسؤوليات المصيرية. فالقضية ليست في وجود حدث رياضي كبير، بل في الكيفية التي يمتلك بها الطالب مهارة "ترشيح المشتتات" ليحافظ على تركيزه ويمنح مستقبله المكانة التي يستحقها دون أن يفقد توازنه النفسي.
وكما هو معروف فان للتوجيهي في المجتمع الأردني خصوصية تتجاوز كونه امتحاناً أكاديمياً؛ فهو محطة استراتيجية تختزن فيها الأسر سنوات من الاستثمار والانتظار، وترتبط به تطلعات الانتقال إلى مرحلة بناء الذات. ومن هنا، فإن التعامل الناضج مع الظروف المحيطة لا يكون باعتماد سياسة "المنع المطلق" أو فرض حالة الطوارئ الصارمة، بل بتحويل هذا التزامن إلى مختبر عملي لتعلم مهارة "الضبط الذاتي" وإدارة الوقت وسط المؤثرات العالية الحساسية.
إن علم الإدارة التربوية الحديث يؤكد أن الترفيه المعتدل ليس عدواً للإنجاز، بل قد يكون أداة حاسمة لتجديد الطاقة العقلية ونفض غبار التعب النفسي، شريطة أن يُدار عبر ما يعرف تربوياً بـ"الترفيه المنظم" ، وهنا يبرز دور الطالب في تطبيق تقنية ما يمكن تسميتها "بالمكافأة المؤجلة" بحيث لا تحضر الشاشة كمشتت عشوائي يقطع حبل الأفكار، بل كمكافأة ذاتية مشروطة بإنجاز أهداف دراسية محددة مسبقاً (كمشاهدة شوط واحد أو متابعة ملخص للمباراة بعد ساعات استذكار مكثفة)، مما يحول الطاقة الحماسية للبطولة من مصدر تشتيت إلى وقود للتحفيز الإيجابي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى "الهندسة البيئية للمنزل" من قبل الأسرة. فالأهل اليوم مطالبون بمغادرة مربع "الرقيب الصارم" والدخول في مربع "الشريك الميسر"، وذلك عبر صياغة "عقد منزلي ذكي" بالاتفاق مع الابن الطالب، يحدد بوضوح مساحات التركيز الآمنة وأوقات الدعم النفسي، ويضمن ألا تتحول أجواء الحماس الكروي في المنزل إلى حالة استنزاف لبيئة الدراسة والمذاكرة.
هذه المسؤولية المشتركة تمتد أيضاً لتضع "صناع القرار التربوي" أمام فرصة استثنائية؛ إذ ينبغي للمؤسسة التعليمية والإرشادية ألا تقف موقف المتجاهل لهذا الزخم الجماهيري، بل أن تستثمره عبر بث رسائل توعوية وجداول استرشادية مرنة تتكامل مع الواقع النفسي للطلبة، وتعينهم على التكيف الذكي مع جدول المباريات دون المساس بالخطة الدراسية.
وتزداد أهمية هذه الأطروحة في عصرنا الحالي، حيث يعيش الطالب وسط عالم مفتوح من التدفق المعلوماتي الرقمي والإشعارات المتلاحقة. والنجاح في هذا العصر لم يعد يعتمد على امتلاك المعرفة فحسب، بل على امتلاك القدرة على قيادة الذات. فالطالب الذي ينجح اليوم في هندسة وقته بين كتاب التوجيهي وشاشة كأس العالم، هو المؤهل غداً لقيادة المؤسسات واتخاذ القرارات المعقدة في بيئة عمل مستقبلية لا تتوقف عن توليد المشتتات.
ولعل المفارقة الجميلة أن فلسفة كرة القدم والمنهجية التربوية تلتقيان في قاسم مشترك؛ فالانتصار في الملعب لا تصنعه الرغبة وحدها، والنجاح في الامتحان لا يصنعه القلق. كلاهما يتطلب انضباطاً تكتيكياً، وتركيزاً عالياً، وإدارة حكيمة للجهد والوقت تحت الضغط. فالفرق الكبرى لا تفوز بالصدفة، بل لأنها تملك استراتيجية واضحة للتعامل مع الدقائق الحرجة، والطلبة الناجحون هم أولئك الذين يتمثلون هذه الاستراتيجية في تنظيم خططهم الدراسية.
في النهاية، ستنتهي مباريات كأس العالم وتُحفظ نتائجها في سجلات الرياضة لتصبح مجرد ذكرى عابرة، أما ما يبنيه الطالب في مرحلة التوجيهي من معرفة وقيم ومسؤولية فسيرافقه كأثر مستدام طوال مسيرته الحياتية.
ويبقى الامتحان الحقيقي الذي نخوضه اليوم كتربويين وأسر وطلبة ليس مجرد أرقام نخطها على ورقة إجابة، بل هو مدى نجاحنا في غرس قيم الوعي والاختيار، وبناء الكفايات الحياتية التي تمكن أبناءنا من إدارة خياراتهم بوعي ومسؤولية؛ فالأمم القوية لا تبنى بالشهادات والألقاب فقط، بل بأجيال تمتلك الوعي والقدرة على فرز الأولويات، ومعرفة متى تقدم ما هو "أهم" على ما هو "ممتع".
والله الموفق