هل دخلت إسرائيل مرحلة التآكل الاستراتيجي والبنيوي؟
م. بسام ابو النصر
22-06-2026 04:20 PM
منذ نشأة الكيان الصهيوني كدولة عام 1948، ارتبط بقاؤه وتفوقه بمنظومة دولية كاملة وفرت له الحماية السياسية والدعم العسكري والغطاء الدبلوماسي. ولم تكن القوة العسكرية وحدها هي أساس هذا البقاء، بل كانت الشرعية التي منحها له النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، في ظل حالة عالمية من التعاطف مع اليهود نتيجة الجرائم التي ارتكبها النظام النازي في أوروبا.
لكن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تستمد قوتها من السلاح وحده، بل من قدرتها على المحافظة على شرعيتها الأخلاقية والسياسية أمام العالم. وعندما تبدأ هذه الشرعية بالتآكل، تبدأ معها رحلة الانحدار مهما بلغت قوة الجيوش أو حجم التحالفات.
اليوم يبدو أن إسرائيل تواجه أخطر اختبار منذ تأسيسها، ليس بسبب خصومها فقط، بل بسبب التحولات العميقة التي أصابت البيئة الدولية التي نشأت في ظلها. فالعالم الذي منحها الغطاء لعقود طويلة لم يعد هو العالم ذاته. القوى الاقتصادية الجديدة تتقدم، وموازين النفوذ تتغير، والمجتمعات الغربية نفسها أصبحت أكثر قدرة على مساءلة حكوماتها وأكثر حساسية تجاه قضايا حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
ولعل أخطر ما أصاب إسرائيل خلال السنوات الأخيرة هو انهيار جزء كبير من الرواية التي اعتمدت عليها لعقود. فمع تطور وسائل الاتصال وانتشار الإعلام الرقمي، لم تعد الحكومات قادرة على احتكار السردية أو التحكم بالصورة. لقد شاهد العالم بأسره صور الدمار والمعاناة الإنسانية والقتل الجماعي والنزوح الواسع في غزة والضفة الغربية، وأصبحت الأسئلة الأخلاقية والقانونية تفرض نفسها على الرأي العام العالمي بصورة غير مسبوقة.
إن التآكل الاستراتيجي لا يبدأ عادة من الحدود، بل يبدأ من الداخل ومن البيئة الدولية المحيطة. يبدأ عندما تتحول الدولة من مشروع يحظى بالتعاطف إلى عبء سياسي وأخلاقي على حلفائه. ويبدأ عندما تصبح تكلفة الدفاع عن سياساتها أكبر من المكاسب التي تحققها تلك السياسات.
لقد شهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية حملة دولية واسعة لإعادة تأهيل ألمانيا ودمجها في النظام الدولي الجديد بعد أن تمت محاسبة المشروع النازي على ما ارتكبه من جرائم. أما اليوم، فإن كثيرين يتساءلون: كيف يمكن لمنظومة القيم الدولية أن تستمر في تجاهل معاناة شعب كامل يعيش تحت الاحتلال والصراع والاقتلاع منذ عقود؟ وكيف يمكن للقانون الدولي أن يحتفظ بمصداقيته إذا بقي عاجزاً عن حماية المدنيين وفرض معاييره على الجميع دون استثناء؟
إن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد نزاع حدودي أو خلاف سياسي عابر، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمفهوم العدالة الدولية ذاته. فهناك شعب ما زال يناضل من أجل حقوقه الوطنية والإنسانية، وأرض ما زالت محل نزاع تاريخي وسياسي وقانوني، ومجتمع دولي يجد نفسه أمام أسئلة لم يعد قادراً على الهروب منها.
ولذلك فإن ما تواجهه إسرائيل اليوم قد يكون أخطر من أي مواجهة عسكرية؛ إنها مواجهة مع التحولات التاريخية الكبرى. مواجهة مع عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، ومع أجيال جديدة لم تعد تنظر إلى الصراع بالمنظار نفسه الذي حكم العقود الماضية، ومع رأي عام عالمي بات أكثر استعداداً لمراجعة المسلمات السياسية التي ظلت راسخة لعقود.
والتاريخ مليء بالأمثلة على كيانات بدت راسخة ومستقرة ثم اكتشفت متأخرة أن أسباب قوتها بدأت تتآكل. فالدول لا تنهار فجأة، وإنما تصل إلى لحظة تصبح فيها الأسس التي قامت عليها موضع مراجعة، وتصبح قدرتها على الاستمرار مرتبطة بمدى قدرتها على التكيف مع الواقع الجديد.
إن الطريق إلى سلام عادل ومستدام لا يمر عبر مزيد من القوة والعنف، بل عبر الاعتراف بالحقوق، واحترام القانون الدولي، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره ونيل حقوقه المشروعة. فالتوازن التاريخي الحقيقي لا يتحقق بإلغاء طرف لصالح آخر، بل بإقامة عدالة تعيد الحقوق إلى أصحابها وتنهي عقوداً من الصراع والاحتلال والمعاناة.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: هل تتغير إسرائيل؟ بل هل يستطيع العالم أن يستعيد إيمانه بالعدالة الدولية؟ لأن مصير القضايا الكبرى لا تحدده القوة وحدها، بل تحدده أيضاً قدرة الشعوب على التمسك بحقوقها، وقدرة التاريخ على تصحيح اختلالاته مهما طال الزمن، حتى وإن أتى هذا التصحيح على مسح الدولة المعتدية وإحلالها بالدولة التي عانى شعبها ويلات الاعتداء.