من أقنعنا أن استيراد الخبز أسهل من زراعة القمح؟
أ. د. هاني الضمور
15-06-2026 06:41 PM
قبل أن نسأل لماذا احترقت الحقول، علينا أن نسأل سؤالاً أكثر خطورة: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها وطن يمتلك أرضاً وفلاحين وتاريخاً زراعياً عريقاً عاجزاً عن تأمين جزء أكبر من غذائه الأساسي؟ ومن أقنعنا بأن استيراد القمح خيار أكثر حكمة من زراعته؟
القصة لا تبدأ من موسم زراعي فشل هنا أو حريق اندلع هناك، بل من لحظة تحول فيها القمح من قضية سيادة وطنية إلى بند في فاتورة الاستيراد. منذ تلك اللحظة بدأ التغيير الحقيقي. لم تعد الأرض أولوية، ولم يعد الفلاح شريكاً في صناعة الأمن الوطني، بل أصبح مجرد رقم في قطاع يتراجع عاماً بعد عام.
لسنوات طويلة، لم يكن القمح مجرد محصول زراعي. كان خط الدفاع الأول عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كانت الدول تقيس قوتها بقدرتها على إطعام شعوبها قبل أي شيء آخر. أما اليوم، فقد أصبح أمن الغذاء مرتبطاً بالموانئ والسفن والأسواق العالمية وأسعار البورصات الدولية. وأصبح رغيف الخبز الذي يصل إلى موائدنا مرتبطاً بقرارات دول أخرى وأزمات تقع على بعد آلاف الكيلومترات من حدودنا.
قد يقول البعض إن استيراد القمح كان خياراً اقتصادياً عقلانياً، وإن الإنتاج المحلي أكثر كلفة من الشراء من الخارج. وربما بدت هذه الحجة مقنعة في سنوات الوفرة والاستقرار. لكن ماذا يحدث عندما تتعطل سلاسل التوريد العالمية؟ ماذا يحدث عندما تندلع الحروب أو ترتفع الأسعار أو تستخدم الدول المنتجة غذاءها كورقة ضغط سياسية؟ عندها يتبين أن ما بدا وفراً مالياً كان في الحقيقة مخاطرة استراتيجية كبيرة.
المشكلة أن النقاش حول القمح اختُزل لعقود في لغة الأرقام الضيقة. كم يكلف الإنتاج؟ وكم يكلف الاستيراد؟ لكن أحداً لم يسأل عن كلفة فقدان الخبرة الزراعية، أو كلفة هجرة المزارعين لأراضيهم، أو كلفة الاعتماد المتزايد على الخارج في أكثر السلع حساسية. لم يسأل أحد عن الثمن الذي سيدفعه الوطن عندما يصبح غذاؤه الأساسي رهينة لظروف لا يملك السيطرة عليها.
ومع مرور الوقت، بدأت النتائج تظهر بوضوح. تقلصت المساحات المزروعة، وتراجع عدد المزارعين، وأصبحت الزراعة أقل جاذبية للأجيال الجديدة. ولم يخسر المجتمع إنتاج القمح فقط، بل خسر جزءاً من علاقته التاريخية بالأرض. فالزراعة ليست نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل ثقافة وهوية واستقرار اجتماعي. وعندما يتراجع دورها، تتغير بنية المجتمع نفسها.
الأخطر من ذلك أن فكرة الاكتفاء الذاتي جرى التعامل معها وكأنها حلم غير واقعي أو رفاهية لا يمكن تحمل كلفتها. بينما الحقيقة أن كل دول العالم الكبرى، رغم انفتاحها الاقتصادي، لا تزال تعتبر أمنها الغذائي جزءاً من أمنها القومي. فهي تدعم مزارعيها وتحمي إنتاجها الاستراتيجي وتحتفظ بمخزوناتها، لأنها تدرك أن الغذاء ليس سلعة عادية، بل عنصر من عناصر القوة الوطنية.
لهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا تراجعت زراعة القمح؟ بل لماذا قبلنا بتراجعها؟ ولماذا اعتبرنا أن الاعتماد على الخارج قدر لا يمكن تغييره؟ وهل كانت المشكلة في نقص الإمكانات فعلاً، أم في غياب الإرادة والرؤية طويلة المدى؟
إن الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من طرق ومبانٍ ومشروعات، بل بما تملكه من قدرة على الصمود في الأزمات. وعندما يتعلق الأمر بالغذاء، فإن الصمود يبدأ من الحقل قبل أن يصل إلى الصومعة والمخبز والسوق.
لهذا فإن الحديث عن القمح ليس حديثاً عن الزراعة وحدها، بل عن الاقتصاد والسياسة والسيادة والمستقبل. إنه حديث عن حق الأجيال القادمة في وطن أكثر أمناً واستقلالاً. فالأمم لا تفقد أمنها الغذائي فجأة، بل تفقده عندما تتوقف عن طرح الأسئلة الصعبة، وعندما تقتنع بأن استيراد الخبز أسهل دائماً من زراعة القمح.
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: إذا كانت الأزمات العالمية الأخيرة قد أثبتت هشاشة الاعتماد على الخارج، فهل ما زال لدينا الوقت لنعود إلى الحقول، أم أننا سنكتفي بمراقبة السنابل وهي تختفي من ذاكرتنا كما اختفت من كثير من أراضينا؟