facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحو نقد منهجي يخدم الحركة التشكيلية الأردنية والعربية


د. تيسير المشارقة
15-06-2026 08:02 PM

عندنا فن تشكيلي غني ومتنوّع. وعندنا فنانون يستحقون أن يُقرأوا قراءة جادة. لكن ما يكتب عنهم في معظمه إما مجاملة لا تضيف، وإما تغطية صحفية تنقل الخبر ولا تنفذ إلى العمل، وإما انطباع شخصي يتقدم بوصفه حُكْماً قاطعاً. والنتيجة أن الفنان يبقى بلا مرآة حقيقية ترُد إليه عمله مفهوماً. والجمهور يبقى بلا دليل "يُعينه على أن يرى" لا أن ينظر فحسب. ومن يتابع معارضنا ومراسمنا منذ عقود يلحظ هذه المفارقة المؤلمة.

ولكن السؤال الذي يلحّ علينا هو: ما الذي يجعل النقد نقداً؟. في تقديري أن الفارق كلّه يكمن في كلمة واحدة هي المنهج. فالانطباع يبدأ من "أعجبني" أو "لم يعجبني"، ثم يبحث عن كلام يزين هذا الشعور. أما النقد فيؤجل الحكم، ويبدأ من سؤال آخر تماماً: ماذا أرى أمامي، وكيف بُني هذا العمل، وماذا يُريد أن يقول، وهل نجح في قوله؟ فالحكم في النقد ثمرة تأتي في النهاية، لا في بداية نلوي فيها عنق العمل.

والنقد ليس ضد الذوق، بل هو ذوق مُدرَب. قد يقال، إن الفن شعور والذوق حرية، فكيف نخضعه لمنهج؟ والجواب أن المنهج لا يلغي الذوق، بل يُهذبه. فبين ذائقة عابرة تتشكل في ثوان أمام اللوحة، وذائقة مُرِّنت على آلاف الأعمال، فقارنت وميّزت وراجعت نفسها، فرقٌ هو عينه الفرق بين الهاوي والعارف. والموضوعية التي ننشدها ليست برودةً ولا غياباً للذات، بل هي أن يتحرر الناقد من هواه الخاص ومن تعصبه لمدرسة بعينها، فلا يكره التجريد لأنه يحب الواقعية، ولا يسقط ذائقته الضيقة على عمل ينتمي إلى عالم آخر. الناقد المتعصب لمدرسةٍ واحدة هو انطباعيٌ محترف، مهما تجمّل بلغة العلم.

العين قبل الكلام ـ قراءة العمل من داخله: لكلّ عمل تشكيلي لغة بصرية قبل أن يكون له "موضوع" أدبي نرويه. وهذه اللغة تتكون من عناصر يعرفها الفنان ويصوغ بها جملته: الخط والنقطة، والشكل، والكتلة، والفراغ، واللون، والملمس، والإيقاع الذي ينظم هذا كله. والناقد الذي لا يرى هذه العناصر، ولا يلاحظ كيف وزّع الفنان كتله وفراغاته، وكيف أدار توتر الألوان وسكونها، إنما يكتب عن اللوحة من خارجها؛ يكتب عن "فكرة" تخيّلها هو، لا عن العمل الذي أمامه. القراءة الجادة تبدأ من الجملة البصرية نفسها، ثم تصعد منها إلى المعنى، لا العكس.

من يكتب النقد؟ يدور سؤال قديم: هل الناقد فنان بالضرورة؟ أم مقتن خبير بالأعمال؟ أم كاتب متخصص؟ والحق أن الفنان قد يملك بصيرة من داخل الصنعة، لكنه قد ينحاز إلى أسلوبه. والمقتني قد يطور عيناً قوية تميّز الجودة وتَعرف الأسماء المؤثرة، لكنّ حكمه في الغالب حكم سوق لا حكم معنى؛ فهو يقيس الثمن، والنقد يقيس القيمة. وحين يتحول الناقد إلى صوتٍ لجامعي الأعمال وأسعارها، يكون قد غادر مهنته. أمّا حين يكتب، كمن فشل في تجربته الخاصة وصار يكره ما لا يشبه عمله، فإنه ينقلب من ناقد إلى حاقد. والعلاج في الحالتين واحد: المعرفة مقرونة بالنزاهة؛ والمعرفة وحدها بلا نزاهة تصير سلطةً تتسلط، والنزاهة وحدها بلا معرفة تصير مجاملة لا تنفع.

المداخل السبعة لقراءة العمل: ليس للنقد طريق واحد، بل مداخل متعددة، كل منها يطرح على العمل سؤالاً مختلفاً، والناقد الحاذق من يعرف أيها يصلح لأي عمل، ويجمع بينها حين يقتضي العمل ذلك:

المدخل الموضوعي: يقرأ العمل من بنيته البصرية ذاتها، عناصره ومبادئ تكوينه، لا من انطباع عنه. وهو الأساس الذي تبنى عليه بقية المداخل.
المدخل التاريخي: يضع العمل في سياق تطور الفن: أين يقع من جيل الرواد، وبماذا يحاور من سبقه، وما الجديد الذي يضيفه. وبه نقرأ حداثتنا البصرية مساراً لا أعمالاً متفرقة.
المدخل الاجتماعي: يسأل عن المجتمع الذي أنتج العمل: أيّ فئة يمثلها، ومن يحضر في الصورة ومن يغيب، وكيف يعكس الفن توترات بيئته.
المدخل الاقتصادي: يتناول شروط إنتاج العمل وحركته في السوق، ويميز بين قيمته الفنية وثمنه، فلا يُخدع بأن الأغلى هو الأجود.

المدخل السياسي: يبحث عما في الصورة من مواقف وهوية وصراع على التمثيل، وهو بالغ الأهمية في منطقة ظل فنها جزءاً من معركة الوجود والهوية.
المدخل القانوني: يعالج حقوق الفنان المعنوية، ونسبة العمل إليه، ومسائل الأصالة والتزوير، وقضايا المقتنيات المنهوبة وحقّ الشعوب في فنها.

المدخل الإعلامي–الاتصالي: يدرس كيف يتغير معنى العمل حين ينتقل من الجدار إلى الشاشة، ومن المرسم إلى وسائل التواصل، وهو مدخل اللحظة الراهنة بامتياز.
وأهم ما يقال إن هذه المداخل ليست جزراً منعزلة، بل طبقات تتراكم في القراءة الواحدة؛ فاللوحة الجادة تحتمل أن نسألها كيف بنيت، وأي مجتمعٍ أنتجها، وأيّ موقف تحمله، في آن معاً. الناقد الانطباعي يملك مفتاحاً واحداً يفتح به كل الأبواب فلا يفتح شيئاً؛ والناقد المنهجي يحمل حلقة من المفاتيح، ويعرف أيها لأي باب.

نقد يخدم الفن لا يتسلط عليه: ما ينقص حركتنا التشكيلية الأردنية ليس الموهبة، فالموهبة موجودة وغزيرة، بل النقد الذي يليق بها. ونحن لا نحتاج إلى ناقد يستعرض ثقافته على حساب العمل، ولا إلى مجامل يوزع المديح فيفقده قيمته، بل إلى قارئ منهجي يقف أمام اللوحة وقفة من يريد أن يفهم، فيصف ويحلل ويفسر ثم يحكم، ويقول رأيه بمعرفة ونزاهة. حين يصير هذا عادة لا استثناء، يكفّ النقد عن أن يكون انطباعا أو خبراً صحفياً، ويصير ما ينبغي أن يكونه: بحثاً صبوراً عن المعنى. فالمعنى وحده جوهر النقد، والفن الذي يجد ناقده الحقيقي هو فن قطع نصف الطريق إلى الخلود.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :