حين تُهزم الحقيقة أمام الرواية ..
د. م. محمد الدباس
08-06-2026 09:42 PM
يروي التراث العربي قصة المناظرة الشهيرة بين (سيبويه والكسائي) فيما عُرف بالمسألة الزنبورية، وهي حادثة تجاوزت حدود (النحو) لتصبح مثالاً خالداً على الصراع بين (الحقيقة والنفوذ). فقد دخل سيبويه المناظرة مسلحاً بالعلم والحجة، لكنه خرج منها مهزوماً بحكمٍ صاغته "موازين القوة" أكثر مما صاغته "قواعد اللغة". وتذكر الروايات أنه غادر المجلس مكسور الخاطر، يحمل في نفسه غصة الظلم، قبل أن يعود إلى بلاد فارس حيث لم يعش طويلاً، ومات كمداً من أثر تلك الواقعة التي انتصرت فيها السلطة على الحقيقة.
ولم تُخلد المسألة الزنبورية لأن خلافاً نحوياً وقع بين عالمين كبيرين، بل لأنها كشفت حقيقة تتكرر في كل زمان: قد تُهزم الحقيقة أحياناً داخل القاعات، لكنها لا تُهزم أمام التاريخ. وقد يُعلن المنتصر في لحظة ما، بينما تبقى الوقائع تكتب حكماً مختلفاً لا يملكه أصحاب المنابر ولا أصحاب النفوذ!
وفي السياسة كما في المسألة الزنبورية، لا تكمن المشكلة دائماً في صحة الرواية أو خطئها، بل في الجهة التي تملك حق إعلان أنها الرواية الصحيحة. فالحكومات بطبيعتها تمتلك الأرقام والتقارير والبيانات والمنصات الإعلامية، لكنها لا تمتلك أمراً واحداً وهو: "حق مصادرة حكم الناس على واقعهم".
ومن هنا يمكن النظر إلى واقع حكوماتنا السابقة واللاحقة ومنها هذه الحكومة. فمثلاً تتحدث هذه الحكومة مشكورة عن إصلاحات وإنجازات ومؤشرات إيجابية وخطط واعدة، لكن المواطن لا يعيش داخل التقارير، بل داخل السّوق ويتحسس كلف المعيشة ومنها: فاتورة الكهرباء والماء وفرص العمل ومستوى الدخل وجدوى الإستثمار، وبين لغة الأرقام ولغة الحياة اليومية قد تتسع أحياناً فجوة لا تردمها البيانات ولا المؤتمرات الصحفية.
فمثلاً إذا كانت الحكومة الحالية ترى أن الأمور تسير في الإتجاه الصحيح، بينما يشعر قطاع واسع من المواطنين أن النتائج لم تصل إليهم بعد، فإننا نكون أمام نسخة حديثة من المسألة الزنبورية؛ حيث يتواجه خطاب رسمي يقول شيئاً وواقع يومي يقول شيئاً آخر. وعندها لا تعود المشكلة في نقص الشرح أو ضعف التواصل، بل في وجود فجوة بين الرواية والنتيجة.
خلاصة القول، في المسألة الزنبورية خسر (سيبويه) المناظرة وربح التاريخ، لأن الحقيقة بقيت بعد أن اختفى الشهود. وفي السياسة أيضاً قد تنجح الحكومات في كسب الوقت، وقد تنجح في كسب الجدل، وقد تنجح في كسب العناوين، لكنها لا تستطيع كسب حكم الناس إلا بالنتائج. فالواقع هو أن سيبويه العصر الحديث هو من يصارحكم بالواقع؛ قد يُهزم مؤقتاً أمام الروايات، لكنه في النهاية يكتب الحكم الأخير.