مهرجان جرش .. إنقاذ ما يمكن إنقاذه
المخرجة نور أبوسماقة
08-06-2026 08:24 PM
حين نتحدث عن مهرجان جرش فإننا لا نتحدث عن فعالية فنية عابرة أو موسم ترفيهي مؤقت، بل عن أحد أهم المشاريع الثقافية الوطنية التي حملت اسم الأردن إلى العالم العربي والعالم، وأسهمت لعقود طويلة في تشكيل الوعي الثقافي والفني للأجيال المتعاقبة.
ومع اقتراب كل دورة جديدة من المهرجان، تتجدد الآمال بأن يستعيد جرش مكانته التاريخية بوصفه مشروعاً ثقافياً متكاملاً، لا مجرد منصة للحفلات الغنائية والعروض الفنية الموسمية. إلا أن الواقع يفرض علينا طرح أسئلة صريحة حول مسار المهرجان ومستقبله، وحول قدرته على مواكبة التحولات الثقافية والفنية التي يشهدها الأردن والمنطقة.
من الإنصاف القول إن الإدارة الحالية للمهرجان لم تبدأ من نقطة الصفر، بل ورثت واقعاً إدارياً وتنظيمياً وتعاقدياً تشكل قبل تسلمها المسؤولية. ويبدو أن جزءاً كبيراً من التعاقدات مع فنانين عرب وفرق أجنبية كان قد تم إنجازه مسبقاً، مع وجود التزامات مالية وعقود ملزمة تجعل من الصعب إجراء تعديلات جوهرية على برنامج الدورة الحالية دون تبعات قانونية أو مالية.
وهذا لا يعني إعفاء أي جهة من المسؤولية، لكنه يفرض قراءة أكثر موضوعية للمشهد، فالإدارة الحالية تتحرك ضمن هامش محدود فرضته ترتيبات سابقة، الأمر الذي يجعل الحكم على أدائها بحاجة إلى قدر من الإنصاف والواقعية.
لكن المشكلة الحقيقية تتجاوز أسماء الفنانين والفرق المشاركة، لتصل إلى سؤال أكثر أهمية: ما هي هوية مهرجان جرش اليوم؟ وهل ما يزال يؤدي رسالته الثقافية التي تأسس من أجلها؟
لقد كان جرش في سنواته الذهبية مساحة للمسرح والشعر والفكر والكتاب والفنون التشكيلية والندوات الثقافية، إلى جانب الحفلات الفنية. أما اليوم، فإن كثيراً من المثقفين والفنانين يشعرون بأن هذه الجوانب تراجعت لصالح الطابع الاحتفالي، ما أفقد المهرجان جزءاً من روحه التي صنعت مكانته الاستثنائية.
كما أن المبدع الأردني ما يزال ينتظر حضوراً أكبر وأكثر تأثيراً داخل المهرجان، ليس من باب المجاملة أو المحاصصة، بل لأن أي مهرجان وطني لا يمكن أن ينجح دون أن يعكس نبض الحركة الثقافية والفنية في بلده.
إن إنقاذ مهرجان جرش لا يكون بإلغاء دورة أو تغيير برنامج، بل بإطلاق مراجعة شاملة وصريحة بعد انتهاء الموسم الحالي، تدرس التجربة بكل تفاصيلها، وتعيد النظر في آليات التخطيط والتعاقد، وتمنح الثقافة الأردنية دوراً أكثر حضوراً وتأثيراً في رسم ملامح المستقبل.
الأردن يمتلك طاقات إبداعية هائلة في المسرح والدراما والموسيقى والأدب والفنون البصرية، ويملك جيلاً جديداً من المبدعين يستحق أن يجد منصة حقيقية للتعبير عن نفسه. ومهرجان جرش هو المكان الطبيعي لهذا الدور إذا ما أُعيدت صياغة رؤيته وأولوياته بما ينسجم مع رسالته الوطنية والثقافية.
إن الدعوة إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه ليست دعوة للتشاؤم أو الهدم، بل دعوة للمراجعة والبناء والتطوير. فالمهرجان أكبر من الأشخاص، وأبقى من الإدارات المتعاقبة، وهو جزء من الذاكرة الثقافية الأردنية التي تستحق أن تُصان وأن تتجدد.
ويبقى الأمل أن تكون الدورة الحالية نقطة انطلاق لحوار وطني وثقافي جاد حول مستقبل مهرجان جرش، حتى يستعيد مكانته منارةً للإبداع والثقافة، وواجهةً مشرقةً للأردن الذي نعرفه ونؤمن به.