هل يعيد فتح مضيق هرمز وانخفاض أسعار النفط ترتيب المكاسب في الشرق الأوسط؟
د. حمد الكساسبة
15-06-2026 07:48 PM
تشير الأخبار إلى أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى مذكرة تفاهم أولية لتهدئة التوتر بين البلدين، بما قد ينعكس على حركة الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية. وإذا تأكد هذا المسار، فإن أثره لن يبقى سياسيًا أو أمنيًا فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي واقتصادات الشرق الأوسط، حيث ترتبط أسعار النفط بكلف المعيشة، والموازنات العامة، وثقة المستثمرين.
وتنبع أهمية هذا التطور من موقع مضيق هرمز في قلب تجارة الطاقة العالمية. فأي توتر حوله يرفع كلف المخاطر والشحن والتأمين، بينما يساعد استقراره على تهدئة الأسواق وتحسين التوقعات. ومن هنا، فإن فتح المضيق وانخفاض أسعار النفط لا يمثلان تغيرًا في الأسعار فقط، بل بداية مرحلة جديدة تختبر قدرة اقتصادات المنطقة على التعامل مع المتغيرات الخارجية.
وفي هذه المرحلة، لا يمكن النظر إلى الصورة من زاوية واحدة. فالدول المستوردة للطاقة قد تستفيد من انخفاض كلف النقل والإنتاج والغذاء، ومن تراجع الضغوط التضخمية على المواطن والقطاع الخاص. في المقابل، تجد الدول المصدّرة للنفط نفسها أمام اختبار مختلف، يتعلق بقدرتها على الحفاظ على استقرار موازناتها وتسريع تنويع اقتصادها إذا استمر تراجع الأسعار.
وتظهر الفرصة أولًا لدى الدول المستوردة للطاقة، مثل الأردن ومصر والمغرب وتونس ولبنان وتركيا، إذ يمكن لانخفاض فاتورة الطاقة أن يخفف الأعباء الاقتصادية ويفتح المجال أمام نشاط إنتاجي أوسع. غير أن هذه الفرصة لا تتحقق بمجرد انخفاض السعر عالميًا، بل عندما تنعكس على كلف النقل، وأسعار بعض السلع، وفواتير الإنتاج، وقدرة الشركات على التوسع.
وهنا ينتقل النقاش من أثر الأسواق العالمية إلى كفاءة السياسات المحلية. فالمطلوب هو ضمان انتقال الأثر إلى الاقتصاد الحقيقي، من خلال تعزيز المنافسة، ومتابعة الأسواق، وتحسين سلاسل التوريد، وتوجيه جزء من الوفر نحو الاستثمار والبنية التحتية والقطاعات القادرة على خلق فرص عمل. عندها يصبح انخفاض النفط فرصة للنمو، لا مجرد تراجع مؤقت في الأسعار.
أما في الدول المصدّرة للنفط، وفي مقدمتها دول الخليج والعراق، فإن استقرار الملاحة وتراجع المخاطر حول الصادرات يمثلان جانبًا إيجابيًا مهمًا. لكن استمرار الأسعار عند مستويات منخفضة قد يضغط على الإيرادات العامة. وهنا تظهر أهمية الاحتياطيات المالية، وتنوع الاقتصاد، وكفاءة إدارة الإنفاق في تحديد قدرة كل دولة على التعامل مع هذا التحول.
ومن هذا المنطلق، يصبح الاختبار الأهم أمام الدول المصدّرة هو تسريع التنويع الاقتصادي. فالمطلوب لا يقتصر على إدارة إيرادات النفط، بل يشمل توسيع مصادر الدخل، ودعم القطاعات غير النفطية، وتحسين كفاءة الإنفاق. وفي الوقت نفسه، قد تستفيد قطاعات مثل الطيران، والسياحة، والتجارة، والخدمات اللوجستية، والموانئ من انخفاض كلف الطاقة والشحن واستقرار المنطقة.
في المحصلة، فإن فتح مضيق هرمز وانخفاض أسعار النفط لا يصنعان رابحين وخاسرين تلقائيًا، بل يكشفان قدرة كل دولة على تحويل المتغيرات الخارجية إلى مكاسب داخلية.
فالمستوردون أمام فرصة لتخفيف التضخم وتحريك النمو، والمصدرون أمام اختبار لتسريع التنويع وحماية الموازنات. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تقاس فقط بانخفاض
الأسعار، بل بمدى قدرة السياسات الاقتصادية على تحويل لحظة الاستقرار إلى إنتاج أوسع، واستثمار أكبر، وفرص عمل أكثر. ويبقى السؤال الأهم: من يمتلك السياسات التي تحول هذا الانخفاض إلى اقتصاد أقوى وأكثر قدرة على مواجهة الصدمات؟