حين يكشف الإعلام ما لا نريد رؤيته
د. عبير الرحباني
08-06-2026 08:46 PM
أتحدث هنا عن حالة أثارت جدلا واسعا.. تمثلت في ظهور إحدى المحاميات عبر وسيلة إعلامية محلية.. حيث طُرح رأي مفاده (أن ارتكاب الفتاة لفعل الزنا يبرر قيام الأب بقتلها).. وهو طرح صادم أثار استغراب كثيرين.. لما يحمله من دعوة إلى التعامل مع قضية اجتماعية وإنسانية بمنطق العنف وإزهاق الروح بدلا من الاحتكام إلى القانون والعدالة..
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ما قيل.. فإن مثل هذه الآراء تفتح نقاشا واسعا حول مسؤولية الخطاب العام.. وأثر الكلمات عندما تصدر عن شخصيات يُفترض أنها تنتمي إلى مهن قائمة على احترام القانون وسيادة العدالة..
وقد أكون من القلة التي تنظر إلى هذه القضية من زاوية مختلفة..
فمن خلال خبرتي الإعلامية والصحافية.. لا أرى أن الخطأ يكمن في استضافة رأيين متعارضين داخل برنامج حواري عبر وسيلة إعلامية محلية.. لأن وظيفة الإعلام ليست تقديم رأي واحد.. بل كشف التباينات الفكرية الموجودة داخل المجتمع كما هي..
لكن في المقابل.. يبقى من الثوابت التي لا خلاف عليها أن أي طرح يمكن أن يُفهم منه تبرير للعنف أو التحريض عليه.. أو الانتقاص من قيمة الحياة الإنسانية.. هو طرح مرفوض أخلاقياً وقانونياً وإنسانياً..
ومع ذلك.. فإن عرض هذا النوع من الأفكار أمام الرأي العام قد يكشف حجم التحديات الفكرية التي ما زالت موجودة في بعض العقليات حتى عندما تصدر عن أشخاص يفترض أنهم ينتمون إلى مهن قائمة على القانون أو المعرفة أو الدفاع عن الحقوق..
ومع إدراكي بأن هناك فئات من المتلقين في مجتمعنا قد لا تمتلك القدر الكافي من الوعي أو النضج الفكري الذي يمكنها من التمييز بين الفكرة ونقدها.. ولا سيما عندما تصدر بعض الآراء المثيرة للجدل عن شخصيات يُفترض أنها تمثل القانون أو المعرفة أو الدفاع عن الحقوق.. فإنني أرى أن وظيفة الإعلام لا تقتصر على عرض ما نتفق معه فقط..
فأحيانا يكون من الضروري إظهار الرأي المخالف حتى عندما يكون صادما أو مرفوضا أخلاقيا أو قانونيا.. ليس من أجل منحه الشرعية.. بل من أجل كشفه أمام المجتمع وإثارة النقاش حوله..
فبعض البرامج التي تبث رسائل إعلامية لا اعتقد انها تهدف إلى ترويج الفكرة.. بل إلى إظهار أن بيننا ما زالت توجد عقليات تحمل تصورات متشددة أو إقصائية أو تبرر العنف.. حتى يدرك الرأي العام حجم التحدي الحقيقي الذي يواجهه الوعي المجتمعي..
فالخطر لا يكمن في أن نرى ونسمع هذه الأفكار ونناقشها.. بل في أن تبقى مختبئة في الظل من دون أن نعرف أنها ما زالت موجودة بيننا..
فالإعلام لا يخدم المجتمع فقط عندما يعرض ما نحب سماعه.. بل أحياناً عندما يكشف لنا ما لا نحب أن نراه.. لكي ندرك أن معركة الوعي ما زالت مستمرة.. وأن التعليم وحده لا يصنع بالضرورة فكراً متنوراً أو وعياً إنسانياً ناضجاً..