الدياثة الرقمية .. حين تُباع الخصوصية من أجل المشاهدات
قصي حمدان الجمال
22-06-2026 07:25 PM
في زمن أصبحت فيه الشهرة الرقمية هاجسًا لدى البعض، ظهرت ظاهرة مقلقة تتمثل في تحويل الحياة الخاصة والأسرية إلى سلعة تُعرض على الملأ مقابل الإعجابات والمتابعين والعوائد المالية. لم يعد الأمر يقتصر على مشاركة لحظات عائلية عابرة، بل تجاوز ذلك إلى بث مباشر يومي وتفاصيل شخصية وحميمية كان المجتمع يعتبرها جزءًا من الخصوصية والستر.
المشكلة ليست في التقنية ولا في وسائل التواصل الاجتماعي، بل في كيفية استخدامها. فحين تتحول الزوجة أو الابنة أو الأسرة إلى أداة لجذب الجمهور، وعندما تصبح الحدود الأخلاقية قابلة للتنازل من أجل المزيد من المشاهدات، فإننا أمام أزمة قيم حقيقية وليست مجرد ظاهرة إعلامية.
لقد كان مفهوم المروءة عبر التاريخ مرتبطًا بحفظ الكرامة وصون الخصوصية واحترام الأسرة، أما اليوم فنشاهد من يلهث خلف الشهرة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن كشف أسرار بيته أو تعريض أفراد أسرته للتعليقات الجارحة والتنمر والاستغلال الرقمي.
المؤسف أن بعض صناع المحتوى يقيسون النجاح بعدد المتابعين لا بمستوى الرسالة، وبحجم الأرباح لا بحجم الأثر الأخلاقي. وهنا يصبح السؤال المهم: ماذا سنترك للأجيال القادمة عندما نرسخ فكرة أن كل شيء قابل للبيع من أجل المشاهدة؟
إن الحرية الرقمية لا تعني التخلي عن المسؤولية، والانفتاح لا يعني هدم الحواجز الأخلاقية، والشهرة الحقيقية لا تُبنى على استغلال الأسرة أو المتاجرة بالخصوصية. فالمحتوى يزول، والترند ينتهي، لكن آثار ما يُنشر تبقى سنوات طويلة في ذاكرة الإنترنت وفي نفوس الأبناء والأسر.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيمة الستر والخصوصية والكرامة الإنسانية، وإلى ترسيخ ثقافة تعتبر الأسرة مسؤولية يجب حمايتها لا منصة لتحقيق الأرباح. فليس كل ما يجلب المشاهدات يستحق أن يُنشر، وليس كل ما يمكن تصويره ينبغي أن يُعرض.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل صانع محتوى على نفسه: هل ما أقدمه يضيف قيمة حقيقية للمجتمع، أم أنني أبيع خصوصيتي وخصوصية من حولي مقابل أرقام قد تختفي غدًا؟