لماذا يُحاكَم لاعبو المنتخب أمام الملايين بينما ينجو الآخرون من المساءلة؟!
د.عدلي قندح
23-06-2026 10:15 AM
في كل مباراة للمنتخب الوطني لكرة القدم، تتحول شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة تقييم جماعي مفتوحة. ملايين المشاهدين يتابعون كل تمريرة، وكل خطأ، وكل قرار يتخذه اللاعب أو المدرب، ثم تنهال التعليقات والمديح والانتقادات خلال دقائق معدودة. وقد يبدو للوهلة الأولى أن لاعبي المنتخب يتعرضون لضغط استثنائي لا يتعرض له غيرهم من العاملين في المجالات الأخرى، لكن السؤال الأهم: هل أداء لاعبي المنتخب أسوأ من أداء الآخرين؟ أم أن الفرق الحقيقي يكمن في درجة الرؤية والشفافية وإمكانية المراقبة؟
الحقيقة أن المنتخب الوطني لا يخضع بالضرورة لمستوى أعلى من الأخطاء أو الإخفاقات مقارنة بالمؤسسات الأخرى، وإنما يخضع لمستوى أعلى بكثير من المراقبة العامة. ففي علم الإدارة والحوكمة هناك قاعدة أساسية تقول: “ما يمكن قياسه ومراقبته يمكن تقييمه ومحاسبته”. والمنتخب الوطني يمثل نموذجاً نادراً تتوافر فيه شروط المراقبة الكاملة تقريباً؛ إذ يشاهد الجمهور الأداء لحظة بلحظة، ويعرف النتيجة فوراً، ويقارنها بالتوقعات والأهداف المعلنة.
أما في معظم المهن الأخرى، فإن الأداء يتم خلف جدران مغلقة. فالطبيب قد يتخذ مئات القرارات العلاجية يومياً دون أن يراقبها الجمهور مباشرة. والمهندس قد يضع تصميماً أو يتخذ قراراً فنياً لا تظهر نتائجه إلا بعد سنوات. والاقتصادي قد يوصي بسياسات لا يمكن تقييم آثارها الحقيقية إلا على المدى المتوسط أو الطويل. ومدير البنك أو الوزير أو الأمين العام أو الأستاذ الجامعي يمارسون أعمالهم ضمن بيئات لا تتوافر فيها الشفافية الفورية نفسها التي تحيط بمباراة كرة قدم مدتها تسعون دقيقة.
من منظور علم النفس الاجتماعي، فإن الإنسان يميل إلى إصدار الأحكام على ما يراه أكثر مما يحكم على ما لا يراه. ويُعرف ذلك في الأدبيات العلمية بـ”تحيز التوافر” (Availability Bias)، حيث تصبح الأحداث المرئية والمتكررة أكثر حضوراً في أذهان الناس، فيبالغون في تقدير أهميتها أو حجم أخطائها. لذلك يتذكر الجمهور بسهولة خطأ لاعب أضاع فرصة تسجيل أمام ملايين المشاهدين، لكنه قد لا يلاحظ قراراً إدارياً خاطئاً كلّف مؤسسة أو اقتصاداً كاملاً ملايين الدنانير لأنه لم يشاهده مباشرة.
ومن زاوية علم الاجتماع، فإن كرة القدم تمثل نشاطاً جماعياً يشارك فيه المجتمع عاطفياً ورمزياً. فالمنتخب الوطني لا يُنظر إليه بوصفه فريقاً رياضياً فقط، بل باعتباره ممثلاً للهوية الوطنية والانتماء الجماعي. ولذلك تصبح نتائج المنتخب جزءاً من المشاعر العامة للمجتمع، ويتحول النقد أو المديح إلى تعبير عن مشاعر الانتماء والاعتزاز أو الإحباط. أما أداء معظم المؤسسات الأخرى فيبقى محصوراً ضمن دوائر متخصصة لا تستثير المشاعر الجمعية بنفس الدرجة.
ومن منظور الحوكمة المؤسسية، فإن المنتخب الوطني يخضع لمعادلة نادرة تجمع بين ثلاثة عناصر: وضوح الأهداف، وشفافية الأداء، وسهولة قياس النتائج. فالهدف معروف مسبقاً، والأداء منقول مباشرة، والنتيجة تظهر فور انتهاء المباراة. بينما تعاني العديد من المؤسسات العامة والخاصة من غياب واحد أو أكثر من هذه العناصر. فكثير من الجهات لا تعلن أهدافها بصورة دقيقة، أو لا تنشر مؤشرات الأداء، أو يصعب على المواطنين معرفة العلاقة بين القرارات والنتائج.
ولو افترضنا وجود نظام مشابه لكرة القدم في القطاعات الأخرى، بحيث تُبث اجتماعات الإدارات العليا مباشرة، وتُنشر جميع مؤشرات الأداء بشكل يومي، وتُعرض القرارات ونتائجها أمام الجمهور لحظة بلحظة، لوجدنا أن حجم النقد الموجه للوزراء والمديرين والاقتصاديين والأكاديميين والمهنيين قد يفوق بكثير ما يتعرض له لاعبو كرة القدم. فالمشكلة ليست دائماً في مستوى الأداء، بل في مستوى الرؤية العامة لذلك الأداء.
ومن زاوية الإدارة الاستراتيجية، فإن كرة القدم تقدم درساً مهماً للمؤسسات. فالمنتخب الوطني يعيش في بيئة عالية الشفافية، ولذلك يتعلم أفراده التعايش مع التقييم المستمر والتغذية الراجعة الفورية. بينما تعمل مؤسسات كثيرة في بيئات منخفضة الشفافية، مما يسمح أحياناً باستمرار الأخطاء لفترات طويلة دون اكتشافها أو تصحيحها. ولهذا فإن المؤسسات الأكثر نجاحاً عالمياً هي تلك التي تقترب من نموذج “الملعب المفتوح”، حيث تكون البيانات متاحة، والأهداف واضحة، والنتائج قابلة للقياس والمراجعة.
ومن خارج الصندوق، يمكن القول إن اللاعب ليس أكثر عرضة للنقد لأنه أكثر خطأً من غيره، بل لأنه أكثر ظهوراً من غيره. فالضوء الكاشف لا يصنع العيوب، بل يكشفها فقط. ولو وُضعت بقية المهن تحت نفس درجة الإضاءة والشفافية والمراقبة الجماهيرية، لأصبح الجميع عرضة للمديح والنقد بدرجات قد تكون أكبر وأقسى مما يتعرض له لاعبو المنتخب.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه هو أن المجتمعات لا تحتاج إلى تقليل النقد الموجه للرياضة، بل إلى توسيع ثقافة التقييم الموضوعي لتشمل جميع القطاعات. فكلما ارتفعت مستويات الشفافية والمساءلة ووضوح مؤشرات الأداء، اقتربت المؤسسات من معايير الحوكمة الرشيدة، وتحسن الأداء العام، وأصبح الحكم على الإنجازات والإخفاقات قائماً على الحقائق لا الانطباعات.
وعندها فقط سنكتشف أن اللاعب والطبيب والمهندس والاقتصادي والوزير والأب والأم جميعهم بشر، ينجحون أحياناً ويخطئون أحياناً أخرى، لكن الفرق الحقيقي ليس في عدد الأخطاء، بل في عدد العيون التي تراقب تلك الأخطاء.