facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المدرسة الإيرانية في التفاوض .. من إدارة الوقت إلى صناعة موازين القوة


د. عبدالحفيظ العجلوني
23-06-2026 10:35 AM

لا تمثل المفاوضات بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد وسيلة لتسوية الخلافات، بل تُعد جزءاً أصيلاً من استراتيجية وطنية لإدارة الصراع، وهي مقاربة تستند إلى تراكم تاريخي في إدارة الدولة والسياسة الخارجية، أعادت الجمهورية الإسلامية توظيفه منذ عام 1979 في إطار يجمع بين الاعتبارات العقائدية والبراغماتية السياسية. ومن هذا المنطلق، تنطلق المدرسة الإيرانية في التفاوض من فلسفة تختلف عن النظرة الغربية؛ فالوقت بالنسبة لطهران ليس قيداً زمنياً يُفرض عليها، بل مورداً استراتيجياً يمكن استثماره لتحسين الشروط وتعزيز أوراق القوة.

وقد تجلت هذه الفلسفة في محطات مفصلية من تاريخ إيران الحديث؛ من أزمة الرهائن الأمريكيين، إلى الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى المفاوضات النووية التي امتدت لأكثر من اثني عشر عاماً، وانتهت عام 2015 باعتراف عملي بحق إيران في تخصيب اليورانيوم ضمن ضوابط متفق عليها. ففي جميع هذه المحطات، لم يكن الهدف الإيراني إنهاء الصراع بأسرع وقت، بقدر ما كان إدارة الصراع بما يخدم مصالح الدولة ويُحسن شروط أي اتفاق محتمل.

وتقوم هذه المدرسة على مجموعة من الركائز الثابتة؛ أبرزها التفاوض من موقع قوة عبر مراكمة أوراق الضغط، سواء في القدرات العسكرية، أو البرنامج النووي، أو شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي. كما تقوم على رفض تقديم أي تنازل مجاني، واعتماد التدرج في تقديم التنازلات بما يُبقي المجال مفتوحاً لجولات تفاوض لاحقة، فضلاً عن الاهتمام البالغ بالتفاصيل القانونية والفنية، واستخدام الوسطاء الإقليميين والدوليين لتخفيف الكلفة السياسية للتفاوض المباشر.

ولا يقتصر تميز هذه المدرسة على إدارة الوقت، بل يمتد إلى إدارة الإدراك أيضاً؛ إذ تحرص طهران على توجيه رسائل متوازية إلى أكثر من جهة في الوقت نفسه. فهي تطمئن الداخل بأنها لم تتراجع عن ثوابتها، وتبعث إلى خصومها برسائل مفادها أن لديها القدرة على مواصلة الصمود، وتترك للوسطاء والمجتمع الدولي انطباعاً بأن باب التسوية لا يزال مفتوحاً. وبهذه الطريقة، يتحول التفاوض إلى أداة لإدارة الصورة بقدر ما هو وسيلة لإدارة المصالح.

كما أن البنية المؤسسية للنظام الإيراني تمنحه ميزة إضافية في المفاوضات. ففي حين تتغير الإدارات في الولايات المتحدة وتتبدل معها الأولويات والاستراتيجيات كل أربع أو ثماني سنوات، يتمتع مركز صناعة القرار في إيران بدرجة عالية من الاستمرارية، الأمر الذي يسمح بتراكم الخبرة التفاوضية والحفاظ على الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى. وقد عززت طهران هذا النهج من خلال تنويع شراكاتها الدولية، ولا سيما مع روسيا والصين، بما وفر لها هوامش أوسع للمناورة في مواجهة الضغوط الغربية.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه المدرسة قصة نجاح مطلق؛ فبقدر ما أسهمت في الحفاظ على النظام السياسي، وانتزاع بعض المكاسب التفاوضية، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، فقد فرضت في المقابل كلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة تمثلت في عقوبات طويلة الأمد، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن الإيراني. وهو ما يعكس مفارقة أساسية في التجربة الإيرانية، تتمثل في أن بعض النجاحات السياسية والاستراتيجية لم تنعكس بالضرورة تحسناً في الأوضاع المعيشية.

وعند إسقاط هذه السمات على المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، يبدو السلوك الإيراني منسجماً مع إرثه التفاوضي؛ إذ تواصل طهران الإصرار على الفصل بين الملفات، بحيث يبقى التفاوض محصوراً في القضية النووية، مع رفض ربطها ببرنامج الصواريخ أو النفوذ الإقليمي، حفاظاً على أهم أوراق قوتها. كما تفضل استمرار قنوات التفاوض غير المباشر عبر الوسطاء، بما يحقق أهدافها التفاوضية ويحد من الكلفة السياسية داخلياً.

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة هذه المقاربة عبر الجمع بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وتحويل عامل الزمن إلى عنصر ضغط على إيران بدلاً من أن يكون ورقة في يدها. وتراهن واشنطن على العقوبات، وتقييد العوائد النفطية، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من التنسيق مع حلفائها، لجعل كلفة المماطلة أعلى من كلفة التوصل إلى اتفاق. غير أن هذا المسار يصطدم غالباً بتحدٍ مزمن يتمثل في تغير الإدارات الأمريكية وتبدل أولوياتها، وهو ما أتاح لإيران، في أكثر من محطة، الاستفادة من غياب الاستمرارية في السياسة الأمريكية.

وفي المحصلة، تبدو المدرسة الإيرانية في التفاوض أقرب إلى فن إدارة الصراع منها إلى فن إنهائه؛ فهي تراهن على الصبر أكثر من السرعة، وعلى استنزاف الخصم أكثر من هزيمته، وعلى تحسين شروط الاتفاق أكثر من التعجيل بإبرامه. ولذلك، فإن نجاح أي طرف في التفاوض مع إيران لا يقاس بقدرته على انتزاع تنازلات آنية فحسب، بل بقدرته أيضاً على منعها من تحويل الزمن إلى مصدر قوة، وإدارة الصراع إلى أداة دائمة لتعزيز موقعها التفاوضي. وفي ظل المفاوضات الجارية اليوم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح واشنطن في كسر هذه القاعدة، أم أن طهران ستضيف فصلاً جديداً إلى مدرسة تفاوضية أثبتت، على امتداد عقود، قدرتها على الصمود والمناورة، وانتظار اللحظة التي ترى فيها أن شروط التسوية أصبحت أكثر ملاءمة لمصالحها؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :