facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما يتجاوز الفرح الخسارة .. الجزائر والأردن شقيقان على أرض المونديال


د. صفاء الحمايدة
23-06-2026 12:28 PM

كنتُ أتابع المباراة من باريس، وحين دوّى صافرة النهاية بنتيجة 2-1 لصالح الجزائر، وجدتُ نفسي في مشاعر لم أتوقعها — لم تكن حزناً خالصاً، ولم تكن فرحاً خالصاً. كانت شيئاً أعمق من الاثنين معاً.

كانت فخراً.

فخراً بنشامى خاضوا مباراتهم الثانية في تاريخ كأس العالم بقلوب لا تعرف الاستسلام — وأثبتوا للعالم أن حضورهم في هذا المونديال ليس مصادفة. وفخراً بإخواننا الجزائريين الذين أثبتوا أن العرب قادرون على أن يكونوا في هذا المكان — وأن يبقوا فيه.

حين يلتقي شقيقان

قبل أن أتحدث عن الكرة، لا بد أن أقول ما يعرفه كل من زار البلدين أو عاش بينهما: الأردني والجزائري يتعارفان قبل أن يتكلّما. في طريقة الضحكة، وفي كرم الضيافة، وفي تلك الحمية الغريبة للوقوف في وجه العواصف مهما كانت. شعبان تجمعهما روح واحدة، وإن افترقا في الجغرافيا.

وهذا تحديداً ما جعل مباراة الليلة مختلفة عن سواها. لم يكن هناك منتصر ومهزوم بالمعنى الكامل — كان هناك أخوان يتنافسان أمام العالم، وجمهوران يصفقان لكليهما في السر.

فوز الجزائر فرحة عربية مشتركة — والأردن الذي أبكى خصومه قبل أن يخسر، له في هذه الفرحة نصيب.

ما جرى على أرض الملعب

في الدقيقة 36، صنع نزار الرشدان اللحظة التي سيحكيها الأردنيون لأبنائهم — ضربة رائعة أدخلت الكرة الشباك وأدخلت الفرحة قلوب ملايين يتابعون من عمّان إلى باريس إلى أقصى بقاع الأرض. لاعب أردني يسجل في كأس العالم — جملة لم يكن أحد يجرؤ على حلمها قبل سنوات.

الأردن الذي يملك الكرة ربع الوقت فقط، تقدّم على خصمه الأقوى ورقةً، وحافظ على تقدمه حتى الشوط الثاني. حارس المرمى يزيد أبو ليلة صنع أمجاده بخمس تدخلات إنقاذية في مواجهة هجمات الجزائر المتواصلة — 17 تسديدة، وعمالقة من أمثال رياض محرز وأمين غويري وفارس شيبي.

الجزائر عادلت في الدقيقة 69 بهدف نضير بن بولعي، ثم حسم بدر غويري النتيجة في الدقيقة 82. لكن الأردن الذي صمد بهذا القلب الكبير أمام هذا الثقل — ليس فريقاً يُنسى.

خسارة بالأرقام — وشهادة بالحضور يكتبها التاريخ.

ما وراء اللوحة — نظرة المختصة

من موقعي كمتخصصة في العلاقات الدولية، أرى في هذه المباراة ما لا تقوله الأرقام.

الأردن أثبت مرة أخرى ما أثبته دائماً في السياسة وفي الدبلوماسية وفي كل ميدان — أنه يُحسن المنافسة بأقل الإمكانيات. فريق يملك الكرة 25% من الوقت ويتقدم في النتيجة، هو فريق يعرف كيف يحوّل محدودية الموارد إلى قوة. هذه قصة الأردن منذ تأسيسه — وهي اليوم قصة منتخبه أيضاً.

أما العلاقة الأردنية الجزائرية، فهي من تلك العلاقات التي لا تحتاج إلى بروتوكولات لتُثبت نفسها. هي علاقة شعبين قبل أن تكون علاقة دولتين، وهذه المباراة أضافت إلى رصيدهما الإنساني المشترك ما لا تصنعه أي قمة دبلوماسية — ذكرى مشتركة على أرض المونديال.

اعترفوا، امتنّوا، واطلبوا المزيد

في مقالي الأول كتبتُ عن المثلث الذهبي — اعترف، امتنّ، واطلب المزيد. واليوم أعود إليه، لأن الحياة بكل تجاربها — في الملعب وخارجه — تدعونا لهذا النهج ذاته.

اعترفوا: نعم، خسرنا. والجزائر كانت أفضل منا في هذه المباراة. الاعتراف بهذا ليس ضعفاً — بل هو أول خطوات النمو. الإنسان الذي يرى الواقع كما هو، لا كما يتمنى، هو وحده القادر على تغييره.

امتنّوا: لمنتخب رفع الراية الأردنية مرة ثانية في المونديال، ولنزار الرشدان الذي جعل قلوبنا ترفّ في الدقيقة 36، ولجمهور أردني وحّدته الكرة من عمّان إلى باريس إلى أقصى بقاع الأرض. ولإخوتنا الجزائريين الذين قدّموا لنا درساً في الكرة نحتاج أن نتعلّمه. الامتنان لا يعني الرضا بالأقل — يعني أن ترى ما لديك قبل أن تطلب ما تريد.

واطلبوا المزيد: لأن الرحلة لم تنتهِ، ولأن كل خسارة تحمل في طيّاتها بذرة انتصار قادم — شرط أن نقرأها بعيون مفتوحة.

وهذا النهج لا يقتصر على الكرة ولا على الرياضة. جمال الحياة في تجاربها المتعددة — أنت من يختار كيف يعيشها: بيسر واستقبال، أم بعسر ورفض. الشعوب التي تعظّم انتصاراتها وتتعلّم من هزائمها، هي وحدها التي تصنع تاريخاً يُحكى.

ما الذي يجب أن نبني عليه؟

المشاركة الأردنية في هذا المونديال — سواء انتهت بتأهل أو لا — هي رصيد استراتيجي لا يجوز تبديده. جيل من اللاعبين تنفّس هواء الملاعب الكبرى، وملايين من الشباب الأردني رأوا في نزار الرشدان وزملائه دليلاً حياً على أن المستحيل ليس قدراً — بل هو تحدٍّ يُكسر بالعمل والإرادة.

الفرصة المتاحة الآن أكبر مما تبدو: الاستثمار في البنية التحتية الكروية، وبناء أكاديميات تصنع الجيل القادم، واستثمار هذا الحضور الدولي في تعزيز الصورة الناعمة للأردن أمام العالم — لأن الدبلوماسية الرياضية اليوم لا تقل أثراً عن الدبلوماسية السياسية.

والأردن الذي يعرف كيف يصنع التوازن في أصعب الجغرافيات السياسية — يعرف أيضاً كيف يصنع المفاجآت على أرض الملعب.

من الآخر:

من باريس، كنتُ اليوم أردنيةً وجزائريةَ الفرحة في آنٍ واحد. شعبان لا يحتاجان مباراة ليتعارفا — لكن المباراة أضافت إلى معرفتهما جمالاً جديداً.

للنشامى أقول: رحلتم من المونديال بالنتيجة — لكنكم تركتم فيه بصمة لن تُمحى. هدف الرشدان في الدقيقة 36 سيبقى في ذاكرة الأردن أطول من أي نتيجة.

وللجزائر أقول: مبروك لأخوتنا — فرحتكم فرحتنا، ومشوركم مشوارنا.

اعترفوا بما كان، وامتنّوا لما هو، واطلبوا ما سيكون — لأن الحياة لا تُعاش بالرفض، بل بالاستقبال.

* خبيرة العلاقات الدولية والدبلوماسية الاقتصادية | باريس — فرنسا





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :