الكتاب الأبيض الصيني وإعادة تشكيل قواعد النظام الدولي في عصر التعددية
السفير د. موفق العجلوني
23-06-2026 04:25 PM
في مرحلة تتسم بتسارع التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية على المستوى العالمي، تتزايد التساؤلات حول قدرة النظام الدولي الحالي على مواكبة المتغيرات المتلاحقة والاستجابة لتحديات القرن الحادي والعشرين.
في هذا السياق، يكتسب الكتاب الأبيض الصادر عن مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني بعنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها» أهمية خاصة باعتباره مساهمة فكرية وسياسية في النقاش الدولي المتصاعد حول مستقبل الحوكمة العالمية.
لقد أصبح واضحاً أن العالم يشهد انتقالاً تدريجياً من مرحلة الأحادية القطبية إلى واقع دولي أكثر تنوعاً وتعدداً في مراكز التأثير والقوة. ومع تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية، واتساع الفجوة بين متطلبات التنمية وواقع الصراعات، تبرز الحاجة إلى رؤى جديدة تعيد النظر في آليات إدارة العلاقات الدولية بما يحقق قدراً أكبر من العدالة والتوازن والاستقرار.
ومن خلال هذا الكتاب الأبيض، تطرح الصين تصوراً يقوم على فكرة أن مستقبل العالم لا ينبغي أن يُبنى على منطق الهيمنة أو الاستقطاب، بل على أساس الشراكة الدولية واحترام المصالح المشتركة والتعاون المتكافئ بين الدول. وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة من المبادئ التي تؤكد المساواة في السيادة بين الدول، وتعزيز دور الأمم المتحدة، واحترام القانون الدولي، ودعم التنمية باعتبارها أساس الأمن والاستقرار العالميين.
وتكتسب هذه الطروحات أهمية إضافية في ظل ما يشهده العالم حالياً من تحديات غير مسبوقة، سواء في مجال الذكاء الاصطناعي، أو الأمن السيبراني، أو التغير المناخي، أو أمن سلاسل الإمداد العالمية، أو التحولات المرتبطة بالطاقة والاقتصاد الرقمي. فهذه القضايا لم تعد شؤوناً وطنية يمكن لأي دولة التعامل معها منفردة، بل أصبحت ملفات عالمية تتطلب تنسيقاً دولياً ومقاربات جماعية أكثر شمولاً.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى قضية أصبحت محوراً رئيسياً في النقاشات الدولية المعاصرة، وهي تنامي دور دول الجنوب العالمي في الاقتصاد والسياسة الدوليين. فالمؤشرات الاقتصادية الحديثة تظهر أن الاقتصادات الناشئة باتت تمثل جزءاً متزايداً من الناتج العالمي، الأمر الذي يستدعي تطوير مؤسسات الحوكمة الدولية بما يعكس الواقع الجديد للتوازنات الدولية ويمنح تمثيلاً أكثر عدالة للدول النامية.
ومن القضايا التي تستحق التوقف عندها أيضاً ما يشهده العالم من نقاش متزايد حول حوكمة الذكاء الاصطناعي. فمع التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا، تتزايد الدعوات الدولية لوضع أطر قانونية وأخلاقية تضمن توظيفها لخدمة التنمية البشرية، وتحد من مخاطر الاستخدامات غير المنضبطة. وهنا ينسجم ما ورد في الكتاب الأبيض مع اتجاه عالمي متنامٍ يدعو إلى بناء قواعد دولية مشتركة للتعامل مع التقنيات الناشئة.
أما بالنسبة للعالم العربي، فإن أهمية هذه الرؤية تكمن في تركيزها على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إضافة إلى منح التنمية الاقتصادية أولوية متقدمة في معالجة الأزمات. وهي مبادئ تتوافق مع تطلعات شعوب المنطقة إلى الاستقرار والتنمية المستدامة بعيداً عن الصراعات والتجاذبات التي أثقلت كاهل المنطقة لعقود طويلة.
وفي الحالة الأردنية، فإن العديد من الأفكار التي يتناولها الكتاب تتقاطع مع النهج الذي تتبناه الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله، والقائم على الحوار واحترام الشرعية الدولية وتعزيز التعاون الدولي ومواجهة التحديات المشتركة من خلال العمل الجماعي. كما أن العلاقات الأردنية الصينية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والثقافية، بما يعكس عمق المصالح المشتركة بين البلدين الصديقين.
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن فقط في كونه وثيقة صادرة عن دولة كبرى، بل في كونه يفتح الباب أمام نقاش عالمي واسع حول شكل النظام الدولي الذي يحتاجه العالم في العقود المقبلة. فالتحديات التي تواجه البشرية اليوم أصبحت أعقد من أن تُعالج بمنطق المنافسة الصفرية أو الحسابات الضيقة، الأمر الذي يجعل من الحوار والتعاون الدوليين ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً فحسب.
وفي ضوء ذلك، فإن الاطلاع على هذه الوثيقة وتحليل مضامينها يمثل فرصة مهمة للباحثين وصناع القرار والإعلاميين والمهتمين بالشؤون الدولية لفهم إحدى أبرز الرؤى المطروحة حالياً بشأن مستقبل الحوكمة العالمية وإدارة العلاقات الدولية في عالم يتجه بثبات نحو مزيد من التعددية والتشابك.
وفي هذه المناسبة، أتقدم بالشكر والتقدير لسعادة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى المملكة الأردنية الهاشمية، السيد قوه وي، على إتاحته فرصة الاطلاع على هذه الوثيقة المهمة، آملاً أن تحظى مضامينها بالنقاش الأكاديمي والإعلامي الذي تستحقه، لما تمثله من إسهام في الحوار الدولي حول مستقبل أكثر توازناً وعدالة واستقراراً.
ويبقى الكتاب، كما قال شاعر العربية الكبير أبو الطيب المتنبي:
أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ.
وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية.
الدستور