الأب الغني والأب الفقير .. قراءة في واقع الشباب الأردني
السفير د. موفق العجلوني
28-06-2026 11:05 AM
يُعد كتاب « الأب الغني والأب الفقير » للمؤلف الأمريكي روبرت كيوساكي من أكثر الكتب تأثيرًا في نشر مفاهيم الثقافة المالية على مستوى العالم، إذ أحدث تحولًا في نظرة الملايين إلى المال والعمل والاستثمار، من خلال تأكيده أن الاستقرار المالي لا يتحقق بالاعتماد على الراتب وحده، وإنما ببناء الأصول، وتنويع مصادر الدخل، واكتساب المعرفة المالية التي تمكّن الأفراد من اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر وعيًا.
ورغم أن الكتاب كُتب في سياق اقتصادي يختلف عن الواقع الأردني، فإن العديد من أفكاره تبدو اليوم أكثر ارتباطًا بالتحديات التي يواجهها الشباب في الأردن، في ظل ارتفاع معدلات البطالة، وتزايد الضغوط المعيشية، والتغيرات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل بفعل التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي.
لقد أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة صياغة الثقافة الاقتصادية السائدة، والانتقال من عقلية انتظار الوظيفة إلى ثقافة المبادرة وخلق الفرص، بما يعزز قدرة الشباب على التكيف مع المتغيرات، ويسهم في بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
يرتكز الكتاب على مقارنة بين نموذجين في التفكير؛ فـ"الأب الفقير" يمثل الفكر التقليدي الذي يرى أن التعليم الأكاديمي والوظيفة المستقرة هما الطريق الأمثل للأمان المالي، بينما يجسد "الأب الغني" فلسفة تقوم على الاستثمار، وبناء الأصول، وتنويع مصادر الدخل، وتحويل المال إلى أداة تخلق المزيد من الفرص.
وهنا لا يدعو كيوساكي إلى التقليل من أهمية التعليم أو الوظيفة، بل يؤكد أن الراتب، مهما كان مرتفعًا، قد لا يكون كافيًا لضمان الاستقرار المالي في عالم سريع التغير، وهو ما يجعل الثقافة المالية وإدارة الموارد الشخصية من المهارات الأساسية التي ينبغي لكل فرد امتلاكها.
وفي الأردن، تبرز هذه الحاجة بوضوح في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والخريجين، ومحدودية الفرص في بعض التخصصات، وارتفاع تكاليف المعيشة مقارنة بمستويات الدخل، إلى جانب محدودية الوعي المالي لدى شريحة واسعة من المجتمع، واستمرار النظر إلى الوظيفة الحكومية أو التقليدية باعتبارها الخيار الأكثر أمانًا.
ومن أبرز الرسائل التي يقدمها الكتاب ضرورة التحول من البحث عن وظيفة إلى البحث عن فرصة. فقد فتحت الثورة الرقمية أمام الشباب الأردني آفاقًا واسعة للعمل في الأسواق العالمية من خلال التجارة الإلكترونية، والعمل الحر، والتسويق الرقمي، وتطوير البرمجيات، والتعليم الإلكتروني، والخدمات الاستشارية، وصناعة المحتوى، وغيرها من المجالات التي تعتمد على المهارة والإبداع أكثر من اعتمادها على رأس المال.
كما يؤكد الكتاب أهمية تنويع مصادر الدخل باعتباره أحد أهم مقومات الاستقرار المالي، وهو ما يمكن تحقيقه عبر إطلاق المشاريع الصغيرة، والاستثمار المنتظم، والعمل الحر الجزئي، وتأجير الأصول، وإنتاج المحتوى الرقمي، وغيرها من الأنشطة التي تسهم في زيادة الدخل وتقليل المخاطر الاقتصادية.
ولا تقل الثقافة المالية أهمية عن تنويع الدخل، إذ إن حسن إدارة الموارد يمثل أساس النجاح الاقتصادي. فإعداد الموازنات الشخصية، وإدارة الديون، والادخار المنتظم، والاستثمار طويل الأجل، وفهم المخاطر المالية، جميعها مهارات ينبغي أن تصبح جزءًا من المناهج التعليمية والبرامج التدريبية الموجهة للشباب، بما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات مالية رشيدة.
وفي الوقت ذاته، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان فرص عمل متميزة، بل أصبحت المهارات العملية هي العامل الحاسم في سوق العمل الحديث. وتشمل هذه المهارات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبرمجة، والتسويق الرقمي، وإدارة المشاريع، واللغات الأجنبية، إضافة إلى مهارات الاتصال والعمل الجماعي والتفاوض. وكلما توسعت قاعدة المهارات التي يمتلكها الشاب، ازدادت قدرته على المنافسة محليًا وإقليميًا ودوليًا.
إن تبني هذه المبادئ بصورة عملية يمكن أن يسهم في خفض معدلات البطالة من خلال تشجيع ريادة الأعمال والعمل الحر، وزيادة عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحسين مستويات دخل الأسر عبر تنويع مصادر الدخل، وتعزيز ثقافة الابتكار والإنتاج، بما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
ولتحقيق ذلك، يحتاج الشباب إلى تبني ممارسات عملية، من أبرزها عدم انتظار الوظيفة المثالية، واستثمار كل فرصة لاكتساب الخبرة، وتعلم المهارات الرقمية المطلوبة عالميًا، وتخصيص جزء من الدخل للادخار والاستثمار، والاطلاع المستمر على أدبيات الإدارة المالية وريادة الأعمال، والاستفادة من المنصات الرقمية للوصول إلى الأسواق العالمية، والتفكير في إنشاء مشروع خاص، مهما كان حجمه، إلى جانب بناء شبكة علاقات مهنية تدعم التطور الوظيفي، والإيمان بأن التعلم المستمر هو الاستثمار الأكثر عائدًا على المدى الطويل.
غير أن نجاح هذه الرؤية لا يعتمد على جهود الشباب وحدهم، بل يتطلب شراكة حقيقية بين مختلف المؤسسات الوطنية. فالحكومة مطالبة بتطوير البيئة التشريعية الداعمة لريادة الأعمال، وتسهيل تأسيس المشاريع، وتوفير التمويل الميسر للمبادرات الناشئة. كما تتحمل الجامعات والمدارس مسؤولية إدماج الثقافة المالية ومهارات الابتكار في العملية التعليمية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، فيما يضطلع القطاع الخاص بدور محوري في التدريب، واحتضان الأفكار الريادية، ودعم الشركات الناشئة التي يقودها الشباب.
لقد أصبحت الثقافة المالية اليوم إحدى الركائز الأساسية للتنمية المستدامة، فالمجتمعات التي تعزز الوعي المالي، وتشجع المبادرة، وتستثمر في المعرفة والابتكار، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية وتحقيق النمو وخلق فرص العمل.
و في المحصلة النهائية ، إن القيمة الحقيقية لكتاب «الأب الغني والأب الفقير» لا تكمن في تقديم وصفة جاهزة لتحقيق الثراء، بل في ترسيخ عقلية جديدة تقوم على المسؤولية المالية، والتعلم المستمر، والاستثمار في الذات، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والإنتاج. وهذه الرسالة تكتسب أهمية مضاعفة في الأردن، حيث تتطلب المرحلة الراهنة بناء جيل يمتلك الوعي المالي، والمهارات الحديثة، وروح المبادرة، ليكون شريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية الوطنية.
فمستقبل الشباب الأردني لن يُبنى بانتظار الوظائف، وإنما بصناعة الفرص، ولن يتحقق بالاكتفاء بالبحث عن مصدر دخل، بل بالسعي إلى بناء قيمة اقتصادية مستدامة. وعندما تصبح الثقافة المالية جزءًا من منظومة التعليم، وتتحول ريادة الأعمال والابتكار إلى ثقافة مجتمعية، سيكون الأردن أكثر قدرة على تعزيز تنافسيته، واستثمار طاقات شبابه، وبناء اقتصاد معرفي قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
[email protected]