إسرائيل وفزّاعة الدولة الكبرى .. نظرة تحليلية
د. محمود الشغنوبي
30-06-2026 10:01 AM
منذ عقود طويلة، وُظِّف شبحُ "إسرائيل الكبرى" توظيفاً سياسياً مُحكماً في خطاب الساسة والمفاوضين، حتى غدا أداةً للترهيب أكثر منه حقيقةً استراتيجية. يُقال إن الخرائط التي تمتد من النيل إلى الفرات مرسومةٌ على ستار الكنيست، وأن النصَّ التوراتي يُغذّي حلماً توسعياً لا حدود له، غير أن المدقق في بنية هذه الدولة وواقعها المُعاش يجد أن المسافة بين الأسطورة والحقيقة أبعدُ مما يتصور كثيرون. فالدولة التي صِيغت لتبدو وحشاً لا يُقهر هي في جوهرها كيانٌ هشٌّ، يعيش على حافة الاحتياج الدائم، ويستمد نفَسه من دعمٍ خارجي لو انقطع لحظةً واحدة لاختلّ توازنه من الداخل قبل أن يهدده أحدٌ من الخارج.
تبدأ الهشاشة من الجغرافيا ذاتها، إذ لا تتجاوز مساحة ما تُسيطر عليه إسرائيل فعلياً بضعةَ عشرات من آلاف الكيلومترات المربعة، وهي رقعةٌ لا تكفي لاستيعاب العمق الاستراتيجي الذي يحتاجه أيُّ جيش يريد خوض حرب استنزاف. والعمق الاستراتيجي ليس ترفاً عسكرياً، بل هو شرطُ البقاء في أي مواجهة ممتدة، فالدولة التي يقسمها طريقٌ واحد نصفين، وتُطلُّ عليها تلالُ الضفة من مسافة بضعة كيلومترات، ليست دولةً قادرة على الاتساع، بل هي دولةٌ تحتاج باستمرار إلى أن يشغلها الجميع بالتفاوض لأن الحرب الحقيقية تعني أنها ستكون أول من يحترق.
ثم إن الاقتصاد الإسرائيلي، رغم ما يُحاط به من هالة التقدم والابتكار، يظل اقتصاداً طارئاً قائماً على الريع الخارجي والمنح الأمريكية السنوية التي تتجاوز ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار في صورتها الرسمية، فضلاً عن الدعم الألماني المتواصل الذي يأتي باسم التعويض والذنب التاريخي. دولةٌ لا تستطيع أن تموّل أمنها من مواردها الذاتية لا تستطيع أن تحلم بمشاريع توسعية مكلفة، لأن ثمن الاحتلال الراهن وحده يُثقل كاهلها، وتكلفة حوادث غزة والضفة أثبتت أن الاحتلال أكثر استنزافاً مما أراد صانعوه. ولعل الأرقام التي تكشف عنها تقارير الجهات الاقتصادية الإسرائيلية في أعقاب كل جولة من المواجهات تقول بصوت عالٍ ما يُحجم الساسة عن البوح به.
أما على الصعيد الديموغرافي، فإن إسرائيل تعيش أزمةً هوية لم تنجح في حلها منذ تأسيسها. المجتمع الإسرائيلي مُشقَّقٌ أفقياً وعمودياً، بين الأشكناز والسفارديم، وبين العلمانيين والمتدينين الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكرية ويُشكّلون عبئاً ديموغرافياً متنامياً على الدولة، وبين المستوطنين المتشددين والمجتمع التل أبيبي الليبرالي الذي يرى في المستوطنات عائقاً لا جسراً. هذا التصدع الداخلي أفضى في السنوات الأخيرة إلى أزمات دستورية حادة، وخرج الجنرالات أنفسهم يحذرون من أن الخلاف على السلطة القضائية وتهميش مؤسسة الجيش قد يكونان أشد فتكاً بالتماسك الوطني من أي صاروخ خارجي. دولةٌ يحتج فيها ضباطها الاحتياطيون على حكومتهم ويهددون بالتخلي عن التدريبات ليست دولةً تتطلع إلى فتوحات جديدة.
وحين تنظر إلى المنظومة الأمنية الإسرائيلية بعيون غير مُروَّعة، تجد أن صورة الجيش الذي لا يُهزم قد شاخت كثيراً. حرب لبنان عام ألفين وستة كانت أول الجرس، حين وجد الجيش الإسرائيلي نفسه أمام منظمة غير نظامية استطاعت أن تُكبّده خسائر بشرية ومعنوية لم يكن مُهيَّأً لها، وانتهت الحرب بغير النصر الحاسم الذي وعد به القادة. ثم جاءت غزة، تلك البقعة الصغيرة المحاصرة، لتكشف أن آلة الحرب الإسرائيلية التي تُكلّف مليارات الدولارات لا تستطيع أن تُحسم مواجهةً مع بيئةٍ حضرية متشعبة، وأن الاعتماد المُفرط على التفوق التقني لا يُعوِّض غياب الاستراتيجية السياسية. مئة ألف نازح في الشمال طوال أشهر لم تعد خلالها بلداتهم صالحة للحياة ليست صورة دولة تخطط لأن تمتد من النيل إلى الفرات.
غير أن ثمة حقيقةً أعمق وأشد إيلاماً تختبئ خلف أسطورة التوسع، وهي أن الحلم الإسرائيلي الحقيقي لم يكن يوماً جغرافياً بالدرجة الأولى، بل كان ديموغرافياً في جوهره. فالهاجس الوجودي الذي يسكن الخطاب السياسي الإسرائيلي منذ بن غوريون حتى اليوم ليس امتلاك مزيد من الأرض، بل تحقيق معادلة مستحيلة في أرضٍ مسكونة أصلاً: أن تكون الدولة يهوديةً خالصة. وهذا يعني في ترجمته العملية شيئاً واحداً لا يجرؤ أحد على تسميته بوضوح، وهو الإحلال، إحلال سكانٍ بسكان، وذاكرةٍ بذاكرة، وروايةٍ بأخرى. فحين يُطالب الساسة الإسرائيليون في كل جولة تفاوض الاعتراف بـ"يهودية الدولة"، فهم لا يطلبون اعترافاً دينياً أو ثقافياً، بل يطلبون توقيعاً على أن ما جرى من تهجير وتشريد وطمسٍ للهوية كان مشروعاً، وأن الملايين الذين خرجوا من ديارهم لن يعودوا إليها لأن العودة أصبحت مخالفةً لطبيعة الدولة لا لقانون طارئ.
وهنا يتكشّف الوجه الأشد خطورةً لما يُسمى التطبيع. فالتطبيع في حقيقته ليس مجرد سلامٍ دبلوماسي بين دول، ولا هو مصالحة تاريخية بين شعوب تعبت من الحروب، التطبيع بمعناه الإسرائيلي المطلوب هو إقرارٌ رسمي بشرعية ما جرى، وموافقةٌ على أن التهجير كان استحقاقاً لا جريمة، وختمٌ دوليٌّ عربيٌّ على وثيقة الغياب الفلسطيني الأبدي. كل عاصمة عربية توقّع اتفاقية تطبيع مع إسرائيل دون أن تشترط حلاً عادلاً لملف اللاجئين إنما توقّع في الواقع على إسقاط حق العودة، وتُسبغ الشرعيةَ على منظومة الإحلال كاملة. ولهذا كان التطبيع هو الجائزة الكبرى التي لم تحلم بها إسرائيل في حروبها، فنالتها في غرف التفاوض المكيّفة بعيداً عن أصوات المهجّرين.
وفي هذا السياق يمكن قراءة فزاعة "إسرائيل الكبرى" على نحوٍ أكثر صحةً ووضوحاً. الفزاعة لم تكن تعبيراً عن قوة متخيَّلة بقدر ما كانت أداةً في يد من يريد تفتيت الجسد العربي وإشغاله بأوهام الخطر الوجودي الكوني. فحين يُقال لكل عاصمة عربية إن هذا التنين يريد ابتلاعك، تنشغل كل عاصمة بحمايةِ نفسها وتُغلق نوافذها على الأخريات، ويصبح كل مشروع للوحدة والتكامل مُتهَماً بأنه يُغري "إسرائيل الكبرى" بالاتساع. هكذا تحوّلت الفزاعة إلى ذريعة، والذريعة إلى سياسة، والسياسة إلى تطبيعٍ باسم البراغماتية، والبراغماتية إلى تفريط باسم الواقعية.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بصوت عالٍ هي أن إسرائيل دولةٌ وظيفية مُصمَّمة لخدمة أغراض محددة، وليست إمبراطوريةً في طور التكوين. إنها أضعف بكثير مما تبدو عليه حين يُطفأ نور الدعاية، وأكثر اعتماداً على الحاضنة الغربية مما يُعترف به في أروقة الساسة. الحلم الإسرائيلي لم يكن يوماً خريطةً ممتدة، بل كان سجلاً نظيفاً من السكان، ودولةً لا يبقى فيها من يُذكّر بما كان. وإذا أراد الوعي العربي أن يُواجه هذا المشروع بجدية، فعليه أن يتوقف عن محاربة الفزاعة ويبدأ في مواجهة الحقيقة: أن ما يجري ليس توسعاً جغرافياً يمكن ردّه بالحدود، بل محوٌ إنساني يبدأ بالاعتراف وينتهي بالنسيان.
وسلامتكم...