facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الموارد إلى قيمة مضافة أعلى


د. حمد الكساسبة
30-06-2026 03:27 PM

لا تُقاس قيمة الموارد بما نملكه منها فقط، بل بما نستطيع إضافته إليها من تصنيع وخدمات ومعرفة وأسواق.

وهذا هو جوهر التحول المطلوب في الاقتصاد الأردني: أن تتحول الموارد والقطاعات القائمة من عناصر منفصلة إلى سلاسل قيمة مترابطة، تبدأ من المورد أو المهارة، وتمر بالتصنيع والخدمات المساندة، وتنتهي بمنتج أو خدمة قادرة على المنافسة. فكل حلقة تُبنى داخل الاقتصاد تعني عائداً أعلى، وفرص عمل أوسع، وقدرة أكبر على التصدير والنمو.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى خريطة وطنية للقيمة المضافة، تحدد أين يمتلك الأردن ميزة نسبية، وأين يمكن أن ترتفع القيمة بصورة عملية خلال ثلاث أو خمس سنوات. فالأمر لا يتعلق بإضافة عناوين جديدة إلى قائمة القطاعات الواعدة، بل بتحديد الأنشطة التي تستطيع زيادة الصادرات، وتوسيع التشغيل، ورفع الطلب على الموردين المحليين.

وعندها تصبح الأرقام أداة للتطوير والمتابعة، وتصبح السياسة الاقتصادية أقرب إلى إدارة نتائج قابلة للتحسن عاماً بعد عام.

وفي هذا الإطار، يمثل قطاع الموارد الطبيعية والتعدين مثالاً مهماً على مجال وطني يمكن رفع عائده الاقتصادي. فإلى جانب الفوسفات والبوتاس، يمتلك الأردن موارد أخرى مثل رمال السيليكا، والحجر الجيري، وبعض الخامات المعدنية الواعدة، وهي موارد يمكن أن تكتسب أهمية أكبر عندما ترتبط بالتصنيع والاستخدامات الصناعية اللاحقة.

وقد شهد هذا القطاع توجهاً متزايداً نحو التوسع في التصنيع وإنتاج الأسمدة والمنتجات المرتبطة بها، ويمكن تعميق هذا الاتجاه تدريجياً، بحيث تتسع الصناعات اللاحقة حول الأسمدة المتخصصة، ومدخلات الزراعة الحديثة، والمواد الكيماوية الوسيطة، والمواد الداخلة في صناعات الزجاج والسيراميك ومواد البناء، بما يعزز الصادرات والوظائف الفنية.

وتفيد تجارب دول أخرى بأن رفع القيمة الاقتصادية للموارد لا يتحقق بالقفزات السريعة، بل بالتركيز المستمر وبناء سلاسل إنتاج واضحة. فالمغرب بنى حول موقعه واتفاقياته التجارية قاعدة صناعية في السيارات ومكوناتها، وماليزيا اختارت مجالات نمو محددة وربطتها بالاستثمار الخاص والتدريب والتصدير.

ويمكن للأردن أن يستفيد من منطق هذه التجارب بما يناسب خصوصيته، من خلال اختيار مسارات محددة، وتطوير روابط إنتاجية حولها، ومتابعتها بمؤشرات واضحة. فالدول الصغيرة تستطيع أن تحقق أثراً كبيراً عندما تركز في المجالات التي تعرف فيها ميزتها وتعمل على تطويرها باستمرار.

ومن واقع الاقتصاد الأردني، تبدو أهمية القيمة المضافة أوضح عند النظر إلى القطاعات التي تنتج وتصدر فعلاً، مثل الأسمدة والمنتجات الكيماوية، والدواء، والألبسة، وبعض المنتجات المعدنية والغذائية. فهذه القطاعات لا تبدأ من الصفر، بل تمتلك خبرة إنتاجية وأسواقاً وعلاقات تجارية قائمة. ولذلك فإن المسار الأكثر واقعية هو رفع القيمة داخل القطاعات العاملة نفسها، من خلال تحسين الجودة، والتصميم، والتعبئة، والفحص، والتسويق، وزيادة ارتباطها بالموردين المحليين.

فكل تحسن صغير في هذه الحلقات يمكن أن يرفع العائد، ويجعل المنتج الأردني أكثر قدرة على المنافسة.

ومع أهمية الموارد الطبيعية، لا ينبغي حصر فرص النمو فيها وحدها. فهناك مجالات واقعية في الصناعات الدوائية، والصناعات الغذائية المتقدمة، والزراعة الذكية، والخدمات الرقمية، والسياحة العلاجية والتعليمية، واللوجستيات، والطاقة المتجددة.

وهذه المجالات يمكن أن تستفيد من تنظيم أفضل، وتسهيل أسرع، وتدريب متخصص، وتمويل موجه للمشاريع القادرة على التوسع.

وحتى رفع القيمة المنتجة في بعض هذه الأنشطة بنسبة 10 أو 15 في المئة خلال عدة سنوات قد ينعكس إيجاباً على الدخل والتشغيل، خصوصاً إذا ارتبط بالأسواق الخارجية.

وتبرز الصناعات الغذائية والدوائية والخدمات الرقمية كمجالات تستحق اهتماماً خاصاً ضمن هذا المسار.

ففي الغذاء، يمكن تحويل جزء أكبر من الإنتاج الزراعي إلى منتجات صحية ومجففة ومعبأة بعلامات تجارية وسلاسل تبريد وتغليف. وفي الدواء والمنتجات الطبية، يمكن توسيع ما تحقق نحو المستلزمات والمكملات والبحث التطبيقي. وفي الخدمات الرقمية، توجد فرصة لتصدير البرمجة، والأمن السيبراني، والتحليل المالي، والخدمات المهنية عن بعد.

وهذه المجالات مهمة لأنها توظف المهارة الأردنية، وتسمح بنمو صادرات غير تقليدية، ولا تحتاج إلى موارد طبيعية كبيرة بقدر ما تحتاج إلى تنظيم وثقة وسرعة.

كما أن القيمة المضافة لا تأتي من التصنيع وحده، بل من الخدمات التي تحيط به. فكل قطاع منتج يحتاج إلى مختبرات فحص، وشركات تعبئة وتغليف، وخدمات نقل وتخزين، وتسويق رقمي، وتمويل، واستشارات، وصيانة، وتدريب. وكلما بقي جزء أكبر من هذه الخدمات داخل الاقتصاد الأردني، زاد الأثر المحلي للقطاع المنتج.

وبهذا المعنى، فإن دعم الصناعة لا يعني المصنع وحده، بل بناء البيئة التي تجعل المنتج الأردني أكثر قدرة على الوصول إلى السوق، وأكثر ارتباطاً بالشركات والمهارات المحلية.

وإلى جانب القطاعات الإنتاجية، يمكن النظر إلى المشتريات الحكومية باعتبارها إحدى الأدوات التي تساعد، ضمن الأطر القانونية وقواعد الشفافية والمنافسة، على تعزيز أثر الإنتاج المحلي النوعي.

فالمقصود ليس تغيير قواعد الشراء العام أو تحميلها أدواراً خارج وظيفتها، بل الاستفادة من الإنفاق القائم بصورة أكثر ارتباطاً بالجودة، والقيمة، والقدرة على التطوير.

وعندما تُصمم المواصفات الفنية بطريقة واضحة، وتُتاح الفرصة للشركات القادرة على تقديم منتج أو خدمة بكفاءة وسعر مناسب، يمكن أن تسهم المشتريات الحكومية في توسيع قاعدة الموردين المحليين، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز ارتباطها بسلاسل الإنتاج، من دون الإخلال بمبادئ المنافسة أو كفاءة الإنفاق العام.

وخلاصة القول، فإن الانتقال من الموارد إلى قيمة مضافة أعلى ليس مساراً فنياً فقط، بل هو طريقة في إدارة الإمكانات الوطنية. فكل مورد يمكن أن يصبح أكثر أثراً عندما يرتبط بالتصنيع، وكل قطاع يمكن أن يخلق فرصاً أوسع عندما يرتبط بالمهارة والأسواق، وكل سياسة يمكن أن تصبح أكثر فاعلية عندما تُقاس بنتائجها لا بعناوينها.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكة هادئة ومنظمة بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والمحافظات، تقوم على وضوح الأدوار، واستمرارية التنفيذ، وقياس الأثر. وبهذا المعنى، لا يكون رفع القيمة المضافة هدفاً اقتصادياً مجرداً، بل طريقاً عملياً لتوسيع فرص العمل، وزيادة الدخل، وبناء اقتصاد أردني أكثر إنتاجية وقدرة على خدمة الناس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :