حكومتنا .. هل يأكل الأردني النسب المئوية؟!
محمود الدباس - أبو الليث
02-07-2026 11:27 AM
حكومتنا الرشيدة.. من حيث المبدأ.. أنا لست خبيراً اقتصادياً.. ولا محللاً للإحصاءات.. لكنني مواطن يعشق التفاصيل.. ويؤمن بأن لغة الأرقام أصدق من لغة الشعارات.. طبعاً إذا اكتملت صورتها.. وعندما قرأت تصريح الحكومة على لسان معالي وزير الدولة للشؤون الاقتصادية.. لفتني أنه تحدث بلغة الأرقام والنسب المئوية.. لا بلغة العواطف.. وهذا أمر يُحسب له..
لكن.. ولأن هذه الأرقام تمس حياة كل أردني.. فقد وجدت أن من حق المواطن.. أن يطرح بعض التساؤلات.. لا للتشكيك.. بل حتى تكتمل الصورة.. وتتحول هذه الأرقام من مؤشرات في التقارير.. إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية..
تقول الحكومة إن الاقتصاد الأردني حقق نمواً بنسبة 2.9% خلال الربع الأول من العام.. وهذا خبر يبدو مطمئناً للوهلة الأولى.. لكن.. هل هذا النمو جاء نتيجة اتساع النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات؟!.. أم أنه نتج عن أداء عدد محدود من الشركات.. أو القطاعات الكبرى؟!.. وهل انعكس هذا النمو على فرص العمل.. وعلى رواتب الأردنيين.. وعلى قدرتهم الشرائية؟!.. أم أنه بقي رقماً جميلاً في نشرات الأخبار فقط؟!..
وتقول الحكومة إن قطاع الزراعة نما بنسبة 6.8%.. والصناعة بنسبة 5.3%.. والكهرباء بنسبة 4.3%.. لكن.. هل شعر المزارع بتحسن دخله؟!.. وهل توسعت المصانع بتوظيف الأردنيين؟!.. وهل ارتفعت أجور العاملين في هذه القطاعات؟!.. أم أن النمو بقي محصوراً في مؤشرات الإنتاج.. دون أن يصل إلى الإنسان الذي يقف خلف هذا الإنتاج؟!..
وتقول الحكومة إن التضخم بلغ 1.88% فقط.. لكن.. هل انخفاض التضخم يعني أن الأسعار أصبحت منخفضة؟!.. أم يعني فقط أن الأسعار المرتفعة أصلاً أصبحت ترتفع بوتيرة أبطأ؟!.. وهل يستطيع المواطن اليوم.. شراء احتياجاته بسهولة أكبر مما كان عليه قبل عامين.. أو ثلاثة؟!.. أم أن الأعباء المعيشية ما زالت كما هي وربما أشد؟!..
وتقول الحكومة إن الاحتياطات الأجنبية تجاوزت 27 مليار دولار.. وإن الجهاز المصرفي يتمتع بمتانة عالية.. وهذا بلا شك مؤشر مهم لاستقرار الاقتصاد.. لكن.. ماذا يعني هذا الرقم للمواطن.. الذي يبحث عن فرصة عمل؟!.. أو لصاحب المشروع الصغير.. الذي يعاني من الركود؟!.. أو للشاب الذي يؤجل تأسيس أسرته.. بسبب الظروف الاقتصادية؟!..
وتقول الحكومة إن الصادرات الوطنية ارتفعت بنسبة 7.3%.. فهل ارتفعت الصادرات بسبب سلعة.. أو سلعتين فقط؟!.. أم بسبب ارتفاع الأسعار العالمية.. وليس زيادة الكميات؟!.. أم لأن عدداً محدوداً من الشركات الكبرى صدّر أكثر؟!.. أم أن آلاف المصانع الأردنية.. أصبحت فعلاً أفضل حالاً.. وأكثر إنتاجاً.. وأكثر توظيفاً للأردنيين؟!..
وتقول الحكومة إن الصادرات إلى هولندا ارتفعت 74%.. وإلى بلجيكا 51%.. والتجارة مع سوريا 39%.. لكن.. كم كان حجم التجارة مع هذه الدول أصلاً.. قبل هذه الزيادات؟!.. وهل تبدو هذه النسب الكبيرة كذلك.. لأن نقطة الانطلاق والبدابة كانت صغيرة؟!.. ولماذا لا نسمع الأرقام المطلقة إلى جانب النسب المئوية.. حتى تكتمل الصورة؟!..
وتقول الحكومة إن القيمة السوقية للشركات المدرجة في البورصة ارتفعت 5%.. وإن المؤشر السعري ارتفع 6.6%.. لكن.. كم مواطناً أردنياً يملك أسهماً في البورصة.. ليستفيد من هذا الارتفاع؟!.. وهل أداء البورصة يعكس بالضرورة واقع الأسواق التجارية.. والمحال الصغيرة.. وأصحاب المهن.. أم أنه يعكس شريحة محددة من الاقتصاد؟!..
وتقول الحكومة إن رخص البناء ارتفعت بنسبة 14.7%.. وإن المساحات المرخصة زادت 20%.. لكن.. هل يعني ذلك أن الطلب الحقيقي على السكن ارتفع؟!.. أم أن هناك مشاريع مؤجلة من سنوات سابقة بدأت بالتنفيذ؟!.. أم أن الأمر يرتبط بإجراءات تنظيمية.. أو مشاريع كبرى.. لا يشعر بها المواطن الباحث عن منزل يستطيع تحمل كلفته؟!..
حكومتنا.. كل هذه الأرقام لا شك بأنها صحيحة من الناحية الإحصائية.. ولا أحد يجادل في ذلك.. لكن الأرقام وحدها لا تكفي لصناعة قصة نجاح.. لأن الاقتصاد لا يقاس بما تكتبه التقارير فقط.. بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية..
ولهذا.. فإن المواطن لا ينتظر فقط أن يسمع نسبة النمو.. بل يريد أن يعرف.. كم وظيفة جديدة برواتب مجزية خُلقت؟!.. وكم ارتفع متوسط دخل الأسرة الأردنية؟!.. وكم انخفضت نسبة الفقر؟!.. وكم تراجعت بطالة الشباب؟!.. وكم ازدادت القدرة الشرائية الحقيقية بعد احتساب التضخم؟!..
فهذه ليست أسئلة معارضة.. بل هي اسئلة المواطنين الشرفاء الخائفين على هذا الوطن.. أنقلها لكم بكل أمانة..
وهي الأسئلة التي تجعل الأرقام ذات معنى.. لأن نجاح الاقتصاد الحقيقي لا يقاس بما تقوله الجداول.. وإنما بما يشعر به المواطن عندما يعود إلى منزله في نهاية كل شهر..